ايت بوكماز تفضح النفاق الانتخابي و تواطئ الصمت الإداري
شعلة
شهدت جماعة ايت بوكماز، الواقعة بإقليم أزيلال، واحدة من أكثر صور الاحتجاج دلالةً على عمق الأزمة التي يعيشها العالم القروي بالمغرب، حين خرجت ساكنتها جماعيًا في مسيرة امتدت لعشرات الكيلومترات، في اتجاه مقر ولاية جهة بني ملال-خنيفرة، قبل أن تستقر أمام عمالة أزيلال. لم تكن المطالب التي رفعتها الساكنة استثنائية أو تعجيزية، بل تمثلت في حقوق أساسية ومباشرة: فك العزلة، خدمات صحية وتعليمية و رياضية لائقةو تغطية المنطقة بشبكة الهاتف و الانترنت و غيرها….. وهي مطالب تُدرج، نظريًا، ضمن أولويات ما يُعرف بـ”الدولة الاجتماعية” التي ترفعها الحكومة في خطاباتها المتكررة، لكن واقع الحال أثبت أن الهوة بين الشعار والممارسة ما تزال واسعة ومؤلمة.
ما ميّز هذه المسيرة، وجعلها محط أنظار الرأي العام، لم يكن فقط حجم المشاركة أو وضوح الرسائل، بل الحضور اللافت لرئيس الجماعة الترابية نفسه، الذي سار جنبًا إلى جنب مع السكان المحتجين، رافعًا نفس الشعارات، وغاضبًا من نفس الجهات التي يفترض أنه يمثلها أمامهم. حضوره هذا لم يُفهم باعتباره تضامنًا، بل كإعلان صريح عن فشل دوره، واعتراف علني بأن منصبه لا يمنحه من الوسائل ولا من السلطة ما يمكّنه من الوفاء بوعوده الانتخابية.
“المواطن ها هو، والمسؤول فينا هو؟”، كان الشعار الأكثر ترديدًا في هذه المسيرة، وهو أكثر من مجرد جملة غاضبة، بل خلاصة لسنوات من التراكمات التي حولت المواطن القروي إلى كائن منسي على هامش السياسات العمومية، في الوقت الذي تستمر فيه الحكومة في الترويج لنموذج تنموي جديد، ولمفهوم الدولة الاجتماعية التي تعني في جوهرها ضمان الكرامة والعدالة المجالية. لكن ما وقع في بوكماز يعكس واقعًا مختلفًا، حيث يعاني المواطن من التهميش المزدوج: أولًا من طرف الإدارة التي تغلق أبوابها في وجه مطالبه، وثانيًا من طرف منتخبين يجدون أنفسهم في موقع هش، بين مطرقة المطالب الشعبية وسندان الولاء المفروض للسلطات المحلية والجهوية.
المفارقة الكبرى أن المنتخب المحلي، المفروض فيه أن يكون صوت المواطن داخل المؤسسات، غالبًا ما يتحول إلى مجرد واجهة صامتة، أو “باراشوك” يمتص الغضب الشعبي، دون أن يمتلك لا الجرأة ولا الحصانة لمواجهة من يعرقل المشاريع أو يعرقل برمجة الاعتمادات. والأسوأ، أن كل من يجرؤ على تجاوز الخط الأحمر، يُواجه بالتضييق، أو يُهدَّد بفتح ملفات فساد كانت نائمة، وكأن الدولة لا تتحرك إلا وفق منطق الانتقام، لا منطق التقويم.
ما وقع في بوكماز ليس حدثًا محليًا معزولًا، بل نموذجًا مكثفًا لأزمة تمثيلية عميقة يعيشها العالم القروي. أزمة يتداخل فيها السياسي بالإداري، ويتشابك فيها الفساد مع الخوف، وتُختزل فيها الدولة الاجتماعية في شعارات معلّقة على جدران الوزارات، لا في مشاريع تنبض بها القرى والمداشر. إنها صرخة من الهامش، من المغرب غير النافع كما يُوصف في بعض التقارير، صرخة تقول إن الصبر له حدود، وإن الوعود الفارغة لم تعد تُسكت الجوع أو العطش أو المرض.
السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح اليوم: هل ستتجاوب الحكومة مع هذه الإشارات القوية القادمة من الجبل؟ وهل تملك الدولة الإرادة السياسية لإعادة صياغة العلاقة بين المواطن، والمنتخب، والمسؤول، على أساس من الشفافية والمحاسبة والكرامة؟ أم أننا سنستمر في تدوير نفس الخطاب، بينما تتوسع الهوة ويشتد الغضب في العمق المغربي؟
شعلة بريسجريدة الكترونية مستقلة











