تصفح جريدة شعلة

24 ساعة

الرئيسية » 24 ساعة » بين امتلاء المساجد وتنظيم الشوارع.. الصلاة لا تحتاج إلى فوضى

بين امتلاء المساجد وتنظيم الشوارع.. الصلاة لا تحتاج إلى فوضى

رأي: سعاد المدراع

بصفتي امرأة مسلمة، لا أرى في امتلاء المساجد، وحتى بعض الفضاءات القريبة منها بالمصلين يوم الجمعة، مشهداً يدعو إلى الانزعاج، بل أراه مشهداً جميلاً يبعث على الطمأنينة. فالشارع الذي يتجه منه الناس إلى الصلاة، ويجتمعون فيه على ذكر الله، أرحم وأجمل بالتأكيد من شارع تنتشر فيه الجريمة والمخدرات والعنف ومختلف السلوكيات التي تسيء إلى المجتمع.

والصلاة ليست مجرد طقس عابر، بل عبادة تهذب الإنسان وتدعوه إلى الخير، قال تعالى: «إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر». لذلك، فإن رؤية الناس حريصين على أداء صلاة الجمعة، حتى عندما تضيق بهم المساجد، لا ينبغي أن تُقابل دائماً بمنطق الرفض والاستنكار.

وهنا يطرح سؤال آخر نفسه: لماذا نتعامل أحياناً مع امتلاء الشوارع بالمصلين وكأنه مشكلة في حد ذاته، بينما تمتلئ الشوارع والساحات في مناسبات أخرى بتجمعات المهرجانات والحفلات، وتُغلق بعض الطرق أمام حركة السير، وتستمر أجواء الاحتفال لساعات، دون أن يثار بالحدة نفسها سؤال احترام الفضاء العام وحق المواطنين في المرور؟

المقصود هنا ليس المقارنة بين الصلاة والاحتفال، فلكل مناسبة خصوصيتها، وإنما الدعوة إلى اعتماد المعيار نفسه في التعامل مع مختلف التجمعات التي تستعمل الفضاء العام. فإذا كان التنظيم ضرورياً في كل الحالات، فينبغي أن يكون الهدف هو تنظيم الفضاء وحماية حق الجميع في المرور والسلامة، لا أن يصبح وجود المصلين في الشارع وحده مدعاة للانتقاد والاستنكار و عدوا للدين و المسلمين

لكن احترام الشعيرة الدينية لا يعني إلغاء التنظيم، كما أن المطالبة بتنظيم حركة السير لا تعني بأي شكل من الأشكال الوقوف ضد الدين أو ضد المصلين.

المسألة في نظري بسيطة: المطلوب هو التنظيم، لا المنع.

إذا امتلأت المساجد ولم تعد تتسع للمصلين، فمن الطبيعي أن تبحث الجهات المختصة عن فضاءات مناسبة وقريبة يمكن استغلالها بشكل منظم، مع الحرص على عدم إغلاق المسالك الحيوية، والإبقاء على ممرات مفتوحة أمام سيارات الإسعاف والوقاية المدنية، وأمام كل حالة طارئة قد تحتاج إلى تدخل عاجل.

وهنا أوجه ندائي إلى وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، من أجل التفكير في حلول عملية لهذه المسألة، من بينها توفير وبناء مساجد ومصليات قادرة على استيعاب أعداد المصلين، حتى لا تصبح الطرقات الخيار الوحيد عندما تمتلئ المساجد.

فالمطلوب ليس منع الناس من أداء شعيرتهم، وإنما توفير فضاءات تليق بهذه الشعيرة، وتحافظ في الوقت نفسه على سلامة المواطنين وانسيابية حركة السير.

وفي خضم حرصنا على أداء فرائضنا، ينبغي ألا نغفل عن حقوق وحاجات الآخرين. فقد يكون بيننا في تلك اللحظة مريض يحتاج إلى الوصول إلى المستشفى، أو امرأة تواجه وضعاً صحياً طارئاً، أو شخص يحتاج إلى النجدة والتدخل العاجل. وهذه الحالات لا يمكنها انتظار انتهاء الصلاة.

وهذا لا ينتقص إطلاقاً من قدسية الصلاة ولا من احترام المصلين، بل يعكس مبدأ أساسياً في المسؤولية: مراعاة الضرورة وحفظ سلامة الناس.

لذلك، لا أرى أن الحل هو أن نقول للمصلين: «لا تصلوا في الشوارع»، كما لا أرى أن الحل هو إغلاق الطرق بشكل كامل دون مراعاة لحركة الناس والحالات الاستعجالية.

الحل هو التنظيم.

نريد شوارع عامرة بالمصلين، نعم، لكننا نريدها أيضاً آمنة ومنظمة. نريد أن نرى المساجد ممتلئة، ونريد في الوقت نفسه أن تظل هناك ممرات للحياة، وللإسعاف، ولمن قد يحتاج إلى النجدة.

أنا مسلمة، وأفرح عندما أرى الناس يتجهون إلى الصلاة، وأتمنى أن تبقى مساجدنا عامرة دائماً بالمصلين. لكنني أؤمن في الوقت نفسه بأن جمال العبادة يزداد حين ترافقه الحكمة وحسن التنظيم ومراعاة الآخرين.

فلا نضع الصلاة في مواجهة مع من ضدها، ولا الدين في مواجهة مع الحياة اليومية. يمكننا أن نحافظ على قدسية الشعيرة، وفي الوقت نفسه نحافظ على سلامة الناس ومصالحهم.

المطلوب ليس أن نفرغ الشوارع من المصلين، وإنما أن ننظم امتلاءها بما يليق بجمال هذه الشعيرة وبسلامة الجميع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *