لوائح الانتخابات الجماعية بنظام اللائحة، نفس الوجوه نفس الاخفاقات ، و تستمر المقاطعة
شعلة: حمدي
منذ أن تم فرض نظام اللائحة في الانتخابات الجماعية، خاصة في المدن والحواضر، تحوّل هذا النظام إلى أداة في يد الأحزاب السياسية الكبرى لخنق التعددية، وقتل الأمل في التغيير، وإعادة تدوير نفس الوجوه الباهتة والمستهلكة التي فقدت كل صلة حقيقية بالمواطن وهمومه. لم يعد نظام اللائحة أداة ديمقراطية لتوسيع المشاركة أو لتحقيق تمثيلية منصفة، بل أصبح غطاءً ناعمًا لواحد من أخطر أشكال التحايل السياسي الذي تُمارسه الأحزاب على المواطنين.
الأحزاب الكبرى، في استهتار سافر بمبدأ الكفاءة والنزاهة، تملأ لوائحها بنفس الأسماء التي راكمت الفشل، وعجزت عن تقديم أي أثر ملموس على الأرض. أسماء فقدت كل مصداقية، لكنها تُعاد في كل دورة انتخابية على رأس اللوائح، وكأن البلاد خلت من الطاقات والكفاءات. وكل من يجرؤ على التفكير في التغيير أو الترشح خارج “المنظومة الحزبية” يُسحق إما بالإقصاء من التزكية أو بالتضييق السياسي الممنهج.
نظام اللائحة أُفرغ من روحه، وأصبح مجرد وسيلة لترتيب مقاعد المصالح، ولتمرير خريطة انتخابية جاهزة صُنعت في الكواليس الحزبية، بعيدًا عن رقابة القواعد أو تطلعات الناخبين. ولم يعد المواطن يصوّت من منطلق القناعة، بل يُجبر على الاختيار بين “السيئ” و”الأسوأ”، ضمن لوائح وُضعت من فوق، لخدمة حسابات انتخابية لا علاقة لها بالتنمية المحلية أو التمثيلية الحقيقية.
إن ما نراه اليوم هو إغلاق ممنهج لأبواب العمل السياسي في وجه الشباب والكفاءات الجديدة. النظام الحزبي المسيطر حول التزكية إلى “صفقة” لا يُمنح فيها المقعد إلا لمن يملك المال، أو يدين بالولاء الأعمى للقيادة، أو له شبكة من العلاقات الزبونية. أي حديث عن تكافؤ الفرص أو تجديد النخب صار مهزلة، وأصبح كل من يطمح لدخول غمار التمثيلية السياسية عليه أن يمر من قنوات “البيع والشراء” الحزبي.
وما يزيد المشهد قتامة، أن اللوائح الانتخابية لا تتيح للمواطن مساءلة الفرد أو محاسبته، بل تفرض عليه التصويت على كتلة حزبية قد تضم أسماء فاسدة أو عديمة الكفاءة، لكنها تتدثر بغطاء الحزب. هكذا تُعاد صناعة المجالس الجماعية بنفس الطريقة، بنفس الأشخاص، بنفس الإخفاقات. والنتيجة: مؤسسات محلية مشلولة، تنمية معطلة، ومدينة تُدار بمنطق الغنيمة لا بمنطق الخدمة.
ولأن المواطن صار يدرك أن اللعبة مغلقة، وأن النتائج محسومة مسبقًا لفائدة وكلاء اللوائح المحظوظين، فإنه يردّ بالعزوف والمقاطعة، خاصة فئة الشباب. بل أصبح من النادر أن تجد شابًا مؤمنًا بإمكانية التغيير عبر صناديق الاقتراع، في ظل هذا العبث الانتخابي. لقد تحولت العملية الانتخابية إلى مسرحية، أبطالها معروفون، ونهايتها لا تحمل أي مفاجآت.
الحل ليس في المزيد من الترقيع، بل في تفكيك هذا النظام المشوه من أساسه. لا بد من إعادة الاعتبار للترشح الفردي، خاصة في المدن التي تعاني من سطوة اللوائح الحزبية، وفرض آليات داخلية ديمقراطية صارمة لاختيار المرشحين، تحت إشراف هيئات مستقلة. كما يجب سنّ قوانين تُجبر الأحزاب على تجديد نخبها وتقديم تقارير علنية عن كيفية تشكيل لوائحها.
نحن أمام أزمة ثقة حقيقية في السياسة، لا يمكن تجاوزها بخطاب مكرر أو وعود جوفاء. المطلوب اليوم هو مواجهة جذرية مع الفساد الحزبي الذي يستعمل نظام اللائحة كدرع لحماية الفاشلين والفاسدين. لا يمكن أن نبني ديمقراطية حقيقية بمجالس تُدار بنفس العقليات، ونُخب تكرّس الرداءة بدل أن تحاربها.
المدن المغربية تحتاج إلى دماء جديدة، إلى كفاءات صادقة لا تبحث عن المصلحة الشخصية، بل عن المصلحة العامة. وإلى أن يتحقق ذلك، سيظل نظام اللائحة وصمة عار على جبين العمل السياسي المحلي، وسيبقى المواطن مجرد رقم في معادلة انتخابية لا تُراعي صوته ولا تُعبّر عن تطلعاته.
شعلة بريسجريدة الكترونية مستقلة









