“الدوّارة ” بديل الاضحية.. ارتفاع الطلب يشعل لهيب الأسعار قبيل عيد الأضحى.
شعلة
تشهد أسواق إقليم الرحامنة، كما هو الحال في مختلف جهات المملكة، ارتفاعًا مهولًا في أسعار “الدوّارة”، إحدى المواد الغذائية التي ارتبطت ثقافيًا واجتماعيًا بمائدة عيد الأضحى. هذا الارتفاع غير المسبوق في الأسعار يأتي في سياق استثنائي، طبعته دعوة جلالة الملك إلى عدم نحر الأضاحي، حفاظًا على القطيع الوطني والمساهمة في خفض أسعار اللحوم الحمراء، في خطوة تنبع من رؤية بعيدة المدى لتحقيق الأمن الغذائي.
غير أن هذا النداء السامي، الذي تفاعل معه عدد كبير من المواطنين بروح عالية من المسؤولية، وُوجه، للأسف، بجملة من السلوكات الاستغلالية التي كشفت مجددًا هشاشة السوق، وغياب الضمير لدى عدد من المضاربين والتجار، الذين سارعوا إلى احتكار “الدوّارة” ورفع أسعارها بشكل صادم، مستغلين زيادة الطلب لإثقال كاهل المواطنين، خاصة الفئات ذات الدخل المحدود.
وما يثير الدهشة أكثر، هو المفارقة العجيبة التي كشفتها لغة الأرقام: إذا قررت معظم الأسر اقتناء “الدوّارة” من باب إحياء طقس رمزي للعيد، فإن السوق سيكون مضطرًا لتوفير عدد من الذبائح يعادل تقريبًا ما كان يُستهلك في حالة عدم الامتثال لنداء عدم الذبح. بمعنى آخر، فإن ما يفترض أن يكون تقليصًا للطلب على الذبائح، تحوّل بفعل التهافت الجماعي إلى طلب مضاعف، يعيد الضغط على السوق بشكل غير مباشر.
هذه المفارقة كشفت عن جانب آخر من الأزمة: جشع بعض المواطنين الذين انخرطوا، عن وعي أو دون وعي، في سباق محموم لتأمين “الدوّارة”، مما أسهم في تضخيم الأسعار ومنح المضاربين ذريعة لفرض زيادات مهولة، وسط غياب شبه تام لأي تدخل تنظيمي فعال.
إننا أمام صورة مركّبة لأزمة تتقاطع فيها المسؤوليات: دولة لم تتدخل بالصرامة اللازمة لضبط السوق؛ مضاربون انتهازيون لا يردعهم رقيب ولا وازع؛ ومواطنون اندفعوا بعاطفة العيد دون إدراك لتبعات الضغط المفرط على منتوج محدود.
وفي ظل هذه الاختلالات، لم يعد الأمر يحتمل التأجيل. فالحكومة مطالبة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، باتخاذ إجراءات عاجلة لضبط الأسواق، ومراقبة الأسعار، ومحاسبة المحتكرين، وتوجيه سلوك المستهلك نحو منطق تضامني مسؤول، ينسجم مع الروح الحقيقية للخطاب الملكي، ومع قيم هذه المناسبة الدينية الكبرى.
فأعياد المغاربة يجب أن تكون عنوانًا للرحمة والتضامن، لا موسمًا للجشع والمضاربة. وكرامة المواطن، في نهاية المطاف، لا تُقاس بمظاهر العيد، بل بالعدل في السوق، والإنصاف في المعاملة، والوفاء لروح المواطنة.
شعلة بريسجريدة الكترونية مستقلة









