شعلة
في مشهد سياسي وتنظيمي استثنائي، وبحضور جماهيري غفير قُدّر بنحو 7000 مناضل ومناضلة، عاشت مدينة ابن جرير، زوال يوم الأحد فاتح نونبر 2026، على إيقاع ملحمة سياسية وحزبية بكل المقاييس، جسّد خلالها أبناء وبنات الرحامنة حجم ارتباطهم بحزب الأصالة والمعاصرة، والتفافهم حول مشروعه السياسي والتنظيمي، في لقاء تواصلي حاشد نظمته الأمانة الإقليمية للحزب، تزامناً مع احتفالات الشعب المغربي بالذكرى الأولى لعيد الوحدة، وفي أجواء وطنية طبعتها المكاسب الدبلوماسية الجديدة التي حققتها المملكة المغربية في قضية وحدتها الترابية.
لقد لم يكن اللقاء مجرد محطة تواصلية عابرة، ولا مناسبة حزبية لاستعراض الحصيلة، بل تحول إلى موعد سياسي كبير، اختلطت فيه مشاعر الاعتزاز بالانتماء الحزبي بروح الوفاء للرحامنة، في صورة جماعية عكست الحضور القوي لـ«الجرار» في معقله التاريخي، وأكدت أن العلاقة بين الحزب وقواعده بالإقليم تتجاوز الحسابات الانتخابية الظرفية إلى امتداد سياسي وتنظيمي صنعته سنوات من العمل والتراكم.
وافتُتحت أشغال هذا اللقاء بكلمة ترحيبية للأمين الإقليمي للحزب، سيدي محمد صلاح الخير، استهلها بتقديم التهاني للسيدة فاطمة الزهراء المنصوري بمناسبة نيلها الثقة الملكية السامية وتعيينها رئيسة للحكومة، كما هنأ الدكتور عزالدين الميداوي، وكيل لائحة الحزب بإقليم الرحامنة، بمناسبة تعيينه وزيراً للتعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، والسيد أحمد التويزي بمناسبة انتخابه رئيساً لمجلس النواب، إلى جانب تهنئة السيد عبد اللطيف الزعيم بمناسبة التحاقه بمجلس النواب.
ولم يفت الأمين الإقليمي التنويه بالمجهودات التنظيمية والسياسية التي يبذلها رئيس القطب التنظيمي للحزب، السيد سمير كودار، معتبراً أن النتائج التي حققها الحزب وطنياً، والتي مكنته من تصدر المشهد السياسي والمساهمة في قيادة الحكومة، هي ثمرة عمل جماعي وتراكم تنظيمي ومجهودات متواصلة لمختلف مكوناته وقياداته ومناضليه.
من جهته، خصص السيد عبد اللطيف الزعيم جزءاً من مداخلته للإشادة بالمكاسب الدبلوماسية التي حققتها المملكة المغربية في ملف الصحراء، تزامناً مع الاحتفال بعيد الوحدة، معتبراً أن هذه التحولات تشكل محطة مفصلية في مسار الدفاع عن الوحدة الترابية للمملكة.
كما توقف عند النتائج السياسية والانتخابية التي حققها حزب الأصالة والمعاصرة على المستويين الوطني والإقليمي، والتي مكنته من تصدر المشهد السياسي والمساهمة في قيادة الحكومة، في ظل حضور وازن لابنة الرحامنة، السيدة فاطمة الزهراء المنصوري، على رأس الجهاز التنفيذي.
وفي سياق آخر، لم يخلُ خطاب الزعيم من رسائل سياسية واضحة، حيث خصص حيزاً للرد على الأصوات التي شككت في التزام وزير التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، الدكتور عزالدين الميداوي، تجاه إقليم الرحامنة، على خلفية النقاش الذي أثير بشأن إحداث النواة الجامعية وتداول اتهامات حول نقلها إلى إقليم تاونات.
وأوضح الزعيم أن النوى الجامعية الـ27 التي تمت برمجتها خلال السنة الجارية كانت مبرمجة ضمن مخططات الولاية الحكومية السابقة، مؤكداً أن الرحامنة لن تتنازل عن حقها في الاستفادة من مشروع جامعي يستجيب لانتظارات ساكنتها، ومشدداً على أن إحداث نواة جامعية ذات الاستقطاب المفتوح يظل مطلباً قائماً واستحقاقاً تنموياً للإقليم.
أما كلمة الدكتور عزالدين الميداوي، وزير التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، فقد حملت رسائل قوية اتسمت بنبرة الثقة والالتزام، حيث أكد أنه ما زال وفياً للوعود التي قطعها، وأنه لا يرغب في الاكتفاء بإخبار المواطنين بما يعتزم القيام به، بقدر ما يفضل أن يتحدث عن نفسه من خلال النتائج والإنجازات التي ستتحقق على أرض الواقع.
وفي رسالة بدت موجهة إلى أبناء الرحامنة، أكد الوزير أن المواطن سيلمس التغيير قريباً، وأن الحكم على العمل ينبغي أن يكون من خلال ما سيتحقق ميدانياً، لا من خلال كثرة التصريحات والوعود. وهي رسالة لقيت تفاعلاً كبيراً من الحاضرين، بالنظر إلى ما يمثله ملف التنمية الجامعية من أهمية استراتيجية بالنسبة لمستقبل الإقليم وأبنائه.
ولعل من أبرز اللحظات التي طبعت هذا اللقاء، تلك الالتفاتة التكريمية ذات الدلالات السياسية والإنسانية العميقة، والتي أعادت الاعتبار لعدد من المناضلين والمناضلات الذين حملوا مشعل التجربة الحزبية منذ بداياتها الأولى، انطلاقاً من مرحلة «لائحة الكرامة والمواطنة»، مروراً بمحطات التأسيس، وصولاً إلى مختلف المنعطفات التي عرفها حزب الأصالة والمعاصرة بإقليم الرحامنة.
لقد كانت لحظة اعتراف بذاكرة سياسية لم تكن دائماً مفروشة بالورود، وبمسار نضالي عرف الكثير من التحديات والهزات والاختلالات، وكاد في بعض محطاته أن يفقد تماسكه التنظيمي، لولا صمود عدد من الوجوه التي اختارت التشبث بالفكرة والاستمرار في الدفاع عن المشروع.
وفي مقدمة هذه الوجوه، برز اسم الحاج عبد العاطي بوشريط، الأمين الإقليمي السابق للحزب والرئيس السابق لجماعة ابن جرير، باعتباره أحد رجالات التأسيس الذين واكبوا المشروع منذ انطلاقته، وأسهموا في بناء هياكله وترسيخ حضوره السياسي بالإقليم.
كما شملت هذه الالتفاتة التقدير والتنويه بالمناضلتين زهور الغندور وفوزية شطو، اللتين حافظتا على حضورهما ووفائهما للتجربة الحزبية، رغم ما عرفه المسار من تحولات ومنعطفات تنظيمية وسياسية.
إن رمزية هذه اللحظة تتجاوز طابع التكريم الاحتفالي، لتؤكد أن الأحزاب لا تُبنى فقط بالقيادات التي تتصدر المشهد، ولا بالأسماء التي تتقلد المسؤوليات والمناصب، وإنما تُبنى أيضاً برجال ونساء آمنوا بالفكرة في بداياتها، وتحملوا مشاق الطريق، وظلوا أوفياء لها في لحظات الشدة قبل لحظات الانتصار. إنها رسالة وفاء للتاريخ، واعتراف بأن ذاكرة الحزب لا ينبغي أن تسقط منها أسماء الذين صنعوا بداياته.
وإذا كانت الكلمات والمداخلات قد حملت مضامين سياسية وتنظيمية متعددة، فإن الصورة الكبرى التي ستظل راسخة في ذاكرة هذا اللقاء هي صورة الحضور الجماهيري الاستثنائي، الذي قُدّر بنحو 7000 مناضل ومناضلة، في مشهد تجاوزت فيه أعداد الواقفين أحياناً أعداد الجالسين، بعدما لم تعد فضاءات الاستقبال قادرة على استيعاب الحشود التي توافدت للمشاركة في هذا الموعد الحزبي.
لقد كان المشهد أشبه بملحمة جماعية، عنوانها الحضور والوفاء والاعتزاز بالانتماء، ورسالتها أن الرحامنة ما زالت تشكل إحدى القلاع السياسية والتنظيمية البارزة لحزب الأصالة والمعاصرة، وأن رمز الجرار لا يزال يحظى بحمولة رمزية خاصة في الوجدان السياسي المحلي.
إن لقاء فاتح نونبر لم يكن مجرد احتفال بنتائج انتخابية أو احتفاء بمناصب سياسية جديدة، بل شكل لحظة لاستحضار الذاكرة، وتثمين الحاضر، واستشراف المستقبل. فمن الاعتراف برجالات ونساء التأسيس، إلى الاحتفاء بالمسؤوليات الحكومية والبرلمانية التي تقلدها أبناء وبنات الإقليم، وصولاً إلى الحضور الجماهيري اللافت، بدت الرحامنة وكأنها تستحضر مساراً سياسياً كاملاً، من بدايات الفكرة إلى لحظة تصدر المشهد الوطني.
وإذا كانت السياسة تُقاس في نهاية المطاف بما تحققه من أثر في حياة المواطنين، فإن التحدي الأكبر أمام هذه التعبئة الاستثنائية يظل هو ترجمة هذا الرصيد الجماهيري والسياسي إلى مشاريع تنموية ملموسة، وفي مقدمتها النواة الجامعية، وفرص الشغل، وتحسين الخدمات، وتعزيز البنيات التحتية.
فالرحامنة اليوم لم تكتفِ باستعراض قوتها التنظيمية، بل رفعت سقف انتظاراتها من ممثليها ومسؤوليها. وبين ملحمة الحضور ورهانات الإنجاز، يبقى الوفاء الحقيقي لهذا الجمهور هو أن تتحول الوعود إلى مكتسبات، وأن يصبح الانتصار السياسي بداية مرحلة جديدة من التنمية والإنصاف.



















