تصفح جريدة شعلة

24 ساعة

الرئيسية » اراء و اقلام » اعترافات رجل سياسة فاشل أو تصفية الحساب الشخصي المتأخر معكوسا

اعترافات رجل سياسة فاشل أو تصفية الحساب الشخصي المتأخر معكوسا

شعلة بريس :

بقلم عبد الكريم التابي

تنبيه لا ضرورة إليه :

عندما تنتهي ـ أيها ـ القارئ(ة) من قراءة هذه الهلوسات التي كتبت في لحظات من الانكسار، تذكر(ي) أنها في حقيقتها لا تعبر عن انزياح في المقاصد النبيلة للتجربة السياسية الشخصية لصاحبها ، الذي يتخذ من هذا المقطع الذي ينساب رقراقا بالأمل من رواية (أنطوان تشيكوف) : ـ ” تعرف عندما يكون المرء سائرا في الغابة في الليل الحالك ، يكفي أن يتراءى له شعاع ضوء من بعيد ، حتى ينسى التعب والظلام والغصون الشائكة التي تصفع الوجه” ـ ( يتخذ من المقطع) قارورة الأكسجين التي تمونه بما يلزمه من ترياق للصمود والمحافظة على التوازن النفسي ، خاصة في الظروف المشابهة لحالة الانكسار هذه.

أنا الموقع أسفله وأعلاه وخلفه وبين طياته ، المدعو عبد الكريم التابي ، الحامل لبطاقة تعريف الهم والغم والصمت والاحتجاج والإحباط والنكوص والارتداد ، والساكن في قوقعة متكلسة من الأفكار المتلاشية من مخلفات الزنديق ابن الرواندي ، وفاقد البصر والبصيرة أبي العلاء المعري ، والصعلوك المتشرد بشار بن برد ، والمارق الكافر “لينين” بن الجعد بن درهم ، والمخبول المسعور ، المقبور عبد السلام بن هيجل ابن حليمة السرغيني ، أقر واعترف أنني رجل سياسة فاشل ، فشل كل أحلام الثورات العربية المجهضة والمهربة والمسطو عليها ، من ثورة العبيد الزنج إلى ثورات القرنفل والدفلى والياسمين واللوز المر، وفاشل فشل كل مخططات الإصلاح والاستعجال والانتقال اللا ديمقراطي الذي لم يتزحزح عن سكته من بغداد حتى القنيطرة . أقر وأعترف أنني هامشي ومهمش و” مينابل” درجة ممتازة ، وأنني ضال ومضلل ، وسجين وسجان ومسجون أفكار مصبرة ( مخلعة) في معلبات تكرشت من فرط الانتفاخ بعد انتهاء الصلاحية. أقر وأعترف أنني لا أستحق أن أكون على رأس وفي سفح قيادة حزب ، فشل ـ محليا ـ منذ 26 سنة حتى في جمع ما يوازي لاعبي الكرة ، دون احتساب دكة الاحتياط وبقية “السطافات” التقنية والإدارية والطبية.

أقر وأعترف أن طاقاتي ومهاراتي التنظيمية ضحلة وفقيرة، إن لم تكن منعدمة.. فطباعي المنغلقة ، وفلتات لساني السمجة المندفعة ، وخطابي الجاف المقرف المنفر ، لا يؤهلني لأكون في موقع القاعدي أو القيادي المرن ، السلس ، المتواصل ، المقبل تارة ، والمدبر حينما يلزم الأمر، اللولبي ، الحلزوني ، المائل ، المنبطح ، الزاحف على البطن ، الماسك بالعصا من وسطها ، والقابل بالسير سير الضعفاء ، العقلاء  ، الحكماء، المتكيفين مع “الوقت” ومتطلباتها، ولا يؤهلني لأكون ماكينة تفرخ ـ بالتخصيب الحراري ـ الأعضاء والمناصرين والمتعاطفين والناخبين والمنتخبين والتابعين والمتبوعين.

وأقر وأعترف أن مكاني الطبيعي، هو الاعتكاف ما بين النون والقلم وما يسطرون.

أقر وأعترف أن الحساسية التي تلبسني من السلطة وطقوسها ودهاليزها ، لا تترك لي مجالا لاستيعاب الانتهازية “الإيجابية” للشيخ “نيكولا ميكيافيل” مع أميره المدلل. فأنا شخص مقزز ، عبوس ، لا يروقني أن أستمتع بمباهج الحياة كما يدعونا إليها السيد المخزن دام عزه ، ولا أستطيب كعب الغزال وذنب الآنسة ” المحنشة” وأختها “المخرقة” ، لأنني تعودت مع اليسار البائس على السندوتشات الباردة الرخيصة جدا، و التي تحمل إلينا في كارطونات، كأننا لاجئون فارون من غزوات الفتح الأعظم للتتار الجدد ، قاطعي الرؤوس في حضرة (الله أكبر. لا أحضر المناسبات الرسمية ، ولا أبارك للسيد عامل الإقليم أعياد الفطر و”الميلود” و”شاعل الميلود” و”بوجلايب” . لا أشاركه فرحته بنحر الأضحية نيابة عن الرعايا، ولا ألبس الجلباب الأبيض أو الأصفر أو المنقط لحضور الصلوات الجماعية، طلبا للاستسقاء أو للاستخارة أو طلبا للأجر والثواب في ليلة القدر.

أقر وأعترف أن ميولاتي الفطرية قادتني لأكون علماني الهوى . هكذا صاغني جهلي كسبيكة من اللجين المزيف . أعتبر ـ موقنا ـ أن التدين أمر شخصي ،(آمن بمن وبما تشاء ،واترك غيرك يؤمن بمن وبما يشاء) ما دامت كل شاة ستعلق من “كراعها” . وأدعو في نقاشاتي البائسة ومساجلاتي العقيمة إلى فصل الدين عن السياسة فصلا لا لبس فيه ولا تأويل ، لأن السياسي همه أن يجد حلولا بشرية لمشكلات بشرية . السياسي همه الشك والتجريب، ورجل الدين همه اليقين والتصديق. السياسي همه القلق، ورجل الدين همه الاطمئنان.

حمقي وغبائي قادني إلى استنتاجات ميكانيكية / ستاتيكية ، جامدة ، لا تعترف سوى بقيمتين حديتين مطلقتين : 1ـ في السياسة : الديمقراطية ـ كما هي متعارف عليها كونيا ـ هي الحل .2ـ في العقيدة : العلمانية ـ كما هي متنازع عليها أحيانا ـ هي الحل .وعدا هذه الخلاصات المريضة التي تشبه وجبات سريعة ، جاهزة ، فلا مخرج من الديكتاتورية والتيوقراطية وما بينهما من أنصاف وصفات الاستبداد الناعم والديمقراطية المقطرة والمتدرجة ، والإسلام المعتدل .

كنت أتطير ممن يدعو إلى الحداثة ويطالب بالدولة المدنية نهارا جهارا ، ويستجير بابن تيمية والدعي عمرو خالد في الهزيع الأخير من الليل ، وبعد صلاة الصبح.

أقر وأعترف أنني قسوت على جماعة العدل والإحسان ، وكنت ـ حتى في عز استفاقة السنونو ذات شهر شباط ـ لا أستطيع أن أتودد للجماعة إياها ، لأبدو في نظرها ، “مناضلا صنديدا ، جذريا” ، غير متواطئ مع المخزن ، لاقتلاع النظام من جذوره ، واستبداله بنظام آخر، هو خلطة متنافرة من قومة البروليتارية في دولة الخلافة على منهج الرفيق عبدالله الحريف وبعده الرفيق البراهمة.

أقر وأعترف ـ بعد هذا العمر المهدور ـ أن تقديراتي لحزب الأصالة والمعاصرة ورمزه “الجرار”( حفظه الله من كل مكروه)، كانت “يسراوية ، متياسرة” ، طفولية ، متجنية ، متعالية ، استئصالية. فعكس ما كنت أخاله حكما يقينيا، بأن الحزب إياه مجرد “حاجة عرضية”، استعملتها الدولة في سياق معين ، ولأغراض معينة،وينبغي أن يحل نفسه أو يتم حله الآن/الآن وليس غدا، فإنني اليوم ـ وبعد أن تحسست عقلي ، وأمسكته بالراحتين ـ أقر أنه يمتلك شرعيته رغم أنف التاريخ وخيشومه، وأن بعضا من عرابيه اليساريين (رفاقنا القدامى في الحلم والغبار)، المنتشرين اليوم سفراء على بعض عواصم العالم، أو(رفاقنا الجدد) الفائزين ببعض الأرائك الوتيرة في المجالس بكل مسمياتها،أو حتى ببعض المقاعد الخشبية المتخشبة في الجماعات ذات الشحت والسحت، لم يكونوا على خطإ ، حينما اختاروا المسلك “السالك”، وعرفوا أين توجد صناديق مغانم الثورة والإصلاح، كما تعلموا كيف يتقنون لعبة (السيس(un pas juste ,un pas faux. ويخامرني اليوم شعور بخيبة لا تضاهيها سوى خيباتي المتتالية ، انطلاقا من تعاملي السلبي مع السيد الهمة منذ مقدمه سنة 92 ، إلى عدم مساندتي لحزبه الجرار المغوار،في عز “توريدته”، والتصويت لفائدة مرشحيه في إحدى حلقات المسلسل الانتخابي الكوميدي، أو الانسلال إلى أحد مجالسه مجانا ودون حاجة لشعارات فقدت معناها ،مادامت أصبحت ملكا مشاعا لكل ذي حنجرة، وتحولت إلى “مواويل يرددها كثير من عناصر البوليس والقوات المساعدة . ألم يفعلها غيري هنا وهناك سرا أو علانية؟

وأسترسل في الاعتراف أن حزب العدالة والتنمية ، الذي كنت أنعته ـ ظلماـ أنه مجرد “حركة شعبية” مضافا إليها أكسسوارات الجلباب واللحية المشذبة والسبحة العاجية الوهابية والزبيبة السمراء، وكثير من جرعات الافتراء على الله وباسم الله، هو تجمع من الإخوان الفضلاء الأكثر رفاقية من رفاق :” الرفيق قبل الطريق” .وأن السيد عبد الإله بنكيران مناضل شهم من طينة “باتريس لومومبا” و”سالفادور أليندي” ، وحاشا أن يكون “متعاونا” مع العميد السابق (الخلطي)، وأن شجاعته النادرة لا يملك منها رئيس الحكومة الحقيقي عبدالله إبراهيم جناح بعوضة. وأن مفاتيح تغيير معالم هذا المغرب المعقد لا توجد إلا في جمجمة الرفيق أفتاتي و شبيهه “بوانو” ، إضافة للرفيق الشوباني بارك له الله في قرانه.

أقر وأعترف أنني مجرد “إصلاحي” قانع فقط بأن أعيش في مملكة تشبه أو تكاد تشبه مملكات دول “الفايكينك” ، وأن تناغمي مع تسقيف المطلب السياسي في حراك 20 فبراير ، فوت على الجماهير فرصة حق العيش الآمن الرغيد في جمهوريات الخلافة والبروليتاريا المعروضة نماذجها لما بعد الحداثة في الصومال والسودان وكوريا الشمالية ،وجمهوريات الموت في ليبيا وسوريا والعراق. فتبا لي وسخطا علي وعلى كل إصلاحي ذميم ، والمجد والخلود للرايتين السوداء والحمراء ، ولتذهب شموع إصلاحيي بنسعيد ونبيلة منيب وإبراهيم ياسين إلى الجحيم وبئس المصير.

وأقر وأعترف أنني لا أشعر بشهية وجاذبية الانتساب لليسار الذي بنى خيمة وأثثها ببعض الكراسي المتهالكة ، وكتب اسم الفدرالية على بابها بخط معقوف وأياد مرتعشة، وغادرها تاركا القراديات والأرضة تقتات من فضلات حبالها التي انفرطت من شدة البرودة والإهمال. فبالقدر الذي كانت ـ ولا زالت ـ الحاجة إلى الوحدة ضرورة تاريخية، بقدر ما كانت التكلفة غالية في تحمل أعباء تربية وثقافة وسلوك، يختلف من هذا المكون إلى ذاك. فالرسالة شعار أنيق وفاتن ،والمرسل منشطر بين شظايا المرآة المكسرة إلى وجوه متجهمة شابت شواتها وتقوست قناتها ، وأضحى مجرد لقائها ببعضها إنجازا عظيما .

ولا يفوتني قبل غلق هذه الإضبارة الجريحة، أن أعبر عن سخطي وتذمري من ذلك القلم الغر الساذج السليط ،  الذي لازمني كالظل، وتواطأ معي لثلاثين سنة في نشر الغباء والظلام والعدمية ، غير آبه بالتحولات التي تجري على الأرض ، وجاهل بأن الحية التي لا تغير جلدها تموت ، وأضحى اليوم نكرة يتسكع على هوامش وحواشي البوابات ، التي يصده بعضها وينهره بعضها الآخر ، ويشذب له بعضها الثالث بمقصه، كل خروج عن النص.

هامش له علاقة بما سبق:

التعليم القضية الوطنية الثانية بعد الصحراء، كذبة كبرى.

حينما تطلب جمعية للآباء والأمهات لقاء السادة المحترمين :عامل الإقليم ورئيس بلدية المدينة والمدير الإقليمي الجديد للتعليم ، وتلتمس من مراقب الأمن تخصيص بعض عناصره أمام بوابة المؤسسة، ولا يكلف أحد منهم عناء الإجابة الأخلاقية، فتأكد أن شعار :التعليم قضية وطنية تهم كل مكونات المجتمع، كذبة كبرى، ولا تستغرب مما حدث هذا الأسبوع من سرقات وتهريب للعتاد والبشر.

ابن جرير في فاتح أبريل2016

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *