تصفح جريدة شعلة

24 ساعة

الرئيسية » سلايدر » جماعة ابن جرير: إشكالية ماهية المعارضة والأغلبية في ظل الصراع حول اللجان الدائمة.

جماعة ابن جرير: إشكالية ماهية المعارضة والأغلبية في ظل الصراع حول اللجان الدائمة.

شعلة : بقلم محمد خليفة ،باحث في العلوم السياسية

تعتبر المعارضة السياسية أساس التوازن في الهيئات والمؤسسات، شريطة أن تتحلى بالحرص على المصلحة العامة، وأن لا ينظر إليها أو تصبح آلية (للبلوكاج)، حيث تشير المعارضة السياسية إلى أي تعبير عن عدم الرضا عن سياسات الهيئة الحاكمة أو معارضتها، فبمعناها الحديث ترتبط على نحوٍ محدّد بتطور النظام الحزبي التنافسي الليبرالي (البرلماني)، الذي تحولّت فيه الكتل والأجنحة التمثيلية إلى أحزاب.
إذ أن أشرف مصطفى توفيق يعرفها مثلا؛ بأنها مظهر من مظاهر الحكم الذي ينقسم بين طرفين أحدهما يكون في السلطة ( الحكومة ) والآخر خارج السلطة ( المعارضة ). أي أن المعارضة تعبر عن القوى غير المساندة للحكومة والتي تقف موقف الضد أو الرفض منها.
وعليه تصبح المعارضة في اعتقاد الكثيرين في معناها العضوي أو الشكلي هي الهيئات التي تراقب الحكومة وتنتقدها وتستعد للحلول محلها, فيقال بهذا المعنى تولت المعارضة السلطة في أعقاب انتخابات جديدة.
وبالتالي يصبح مفهوم (المعارضة) لصيقا بعامل التنافس للوصول إلى السلطة، فيلحظ مما سبق بأن الانتقادات الفردية الموجهة للسلطة لا تُعد معارضة، فهذه الأخيرة تقتضي النقد المنظم، الذي تقوم به مجموعة من الأشخاص تجمعهم رؤية واحدة حول الطريقة التي يجب أن يمارس بها الحكم، ولعل هذا ما ينسجم وتعريف الحزب السياسي.
وبالعودة لمفهوم المعارضة السياسية الصعب التحديد، نتساءل هل تطرق الدستور لتعريفها أم لا؟ وهل هناك محض إشارة لهذا التعريف في القانون التنظيمي بصفته أحد مكونات الكتلة الدستورية؟، وحول توجه المحكمة الإدارية بالرباط في تعريفها لها ما إذا كان يحتمل النقد؟ ومن داخل منظومة فكرية ليبرالية تستهدف المأسسة، ما إذا كانت المعارضة المقصودة أشخاصا أم هيئات سياسية؟
ولنبدأ بمقدمة بسيطة تحيل على التراتبية، حيث جاء ضمن مقتضيات الفصل 1 من الدستور التأكيد على ربط المسؤولية بالمحاسبة، كما جاء ضمن فصله 6 التأكيد على أن دستورية القواعد القانونية، وتراتبيتها، ووجوب نشرها، مبادئ ملزمة، وأن من وظائف الأحزاب السياسية والمشاركة في ممارسة السلطة، على أساس التعددية والتناوب، بالوسائل الديمقراطية ضمن نطاق الفصل 7، كما أشار للمعارضة البرلمانية في فصله 10 مخولا إياها حقوقا من ضمنها ممارسة السلطة عن طريق التناوب الديمقراطي، محليا وجهويا ووطنيا، وأن ما يبينه القانون التنظيمي للجماعات الترابية هو شروط تدبير الجهات والجماعات الترابية الأخرى لشؤونها بكيفية ديمقراطية، وعدد أعضاء مجالسها، والقواعد المتعلقة بأهلية الترشيح، وحالات التنافي، وحالات منع الجمع بين الانتدابات، وكذا النظام الانتخابي، وأحكام تحسين تمثيلية النساء داخل المجالس المذكورة؛ إضافة لأمور أخرى ضمن الفصل 147.
فإذا اعتمدنا مبدأ التراتبية المؤسسية وجدنا أن المجلس أو المحكمة الدستورية لم تتطرق بالتعريف لمفهوم المعارضة في الجماعات، بل إن المادة 27 وحدها لا تشي بأي سر يوضح هذا التعريف، ولئن بحثنا في الدستور وجدنا أنه نسج على منوال المعارضة البرلمانية.
وإذا عدنا لعنصري تعريف المعارضة السياسية كما ورد في التقديم، واستحضرنا وظيفة الأحزاب السياسية كما في الفصل 10، تأكد لنا أن المعارضة إنما بواسطة مؤسسات هي الأحزاب.
ولما كان المبدأ هو ربط المسؤولية بالمحاسبة، والسياسة مواقف واختيارات، فإن المذهب الذي يذهبه حزب ما بتصرفاته في اختيار من يدبر كفيل بأن يجعله في المعارضة أو العكس، وإلا فالمعارضة هدفها السلطة، فكيف سيكون هدفها إزاحة من وضعتهم هي نفسها؟، ومن جانب آخر فإن الناخبين انتخبوا الأعضاء فخولوهم مهمة انتخاب المكتب بكل مسؤولية.
ولكي يتم التفاعل مع مسألة تعريف المعارضة السياسية بالجماعات الترابية، ينبغي التوقف عند حيثيات المسطرة التشريعية للقانون التنظيمي رقم 113.14، حيث جرى التداول في مشروعه بالمجلس الوزاري المنعقد بتاريخ 29 يناير 2015، وصودق عليه بتاريخ 9 يونيو 2015، ليستكمل مروره من المجلس الدستوري في 30 يونيو 2015.
وإذا استحضرنا الاجتهاد القضائي الصادر عن المحكمة الإدارية بالرباط بتاريخ 22 أكتوبر 2015، وجدناه يحدد المعارضة “في كل قوة سياسية متمثلة في شخص أو مجموعة أشخاص تتخـذ موقفا سياسيا وتدبيريا مغايرا لموقف الأغلبية الممثلة في المكتب المسير بخصوص أساليب التدبير والخلفية التي تستند إليها وذلك بغاية تغيير سلوك الأجهزة المسيرة للشأن المحلي والتصورات التي تأسس عليه في منحى تحسين أدائها خدمة للمصلحة العامة، وتقديم نموذج مختلف ترمي من خلاله إلى الحلول محلها مستقبلا في تقلد سلطة القرار المحلي”
فالاجتهاد القضائي لئن كان مصدرا تفسيريا للنص، فإنه تتداخل فيه عدة عوامل أساسية أولها صدوره بعد أول تطبيق للقانون التنظيمي 2015، حيث لم تستقر الممارسة على قوام سليم، إضافة إلى متغير جديد أفرز مجالس بتمثيليات أخرى ألا وهو النظام الانتخابي، والباحث إنما يستعمل منهجا أكاديميا قد يفضي به إلى الاختلاف مع تفسير يراه ضيقا، والاختلاف لا يفسد للود قضية وللاجتهاد مرغب فيه ومحمول على الصواب والخطأ، وفي كلتا الحالتين فهو مأجور ومحمود، وإذا كان سعي المشرع للمأسسة هو الدافع انسجاما مع مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، فإن تعريفا كهذا سيفتت المجالس ويعبث بالمسؤولية التضامنية لأعضاء المكاتب الذين تسندهم أغلبيتهم في المداولات، وإلا فإنه لن يستمر، وبالتالي فإن الحديث عن المعارضة هو حديث عن مؤسسة. وإذا كان هناك مفهوم للمعارضة ففي المقابل هناك مفهوم للأغلبية وبهكذا تفسير تصبح الأغلبية هي المكتب الذي لا يضم إلا تسعة أعضاء… وحتى إذا اعتمدنا الأحزاب، صار من اللاوضوح بل تهرب من المسؤولية أن يصبح مدعم الرئيس معارضه في لحظة يومين، وهذا ما لا ينسجم ومذهب المشرع.
وتبعا له، فإن التعريف تحدث عن القوة السياسية عوض الحزب، وهذا مفهوم غامض بحيث ألم يكن ممكنا الحديث عن حزب سياسي مع الإشارة للامنتمي؟، ثم أن هذا التعريف يحيل لأن المعارضة شخصية لا مؤسسية، إضافة إلى أنه اعتبر معيار التمثيلية في المكتب أساسا لهذا، ويبدو أنه يحيل هنا للأحزاب، فألم يكن حري بالمشرع إذا ما أراد هذا الفهم أن يستعمل (الأعضاء غير الممثلين في المكتب) كما في مواد أخرى من ضمنها الحديث عن الكاتب، وألا يعد سياسيا التوقيع على بلاغ بتاريخ 13 شتنبر 2021 الذي دعم شخصا يشغل الان مؤسسة الرئيس تموقع في الأغلبية تبعا لركن التراضي في العقود؟.
لهكذا ينبغي تسليط الضوء على فرضية أن الرئيس هو قائد قاطرة الأغلبية، حتى نستخلص أن داعموه داعمون للأغلبية تنتفي فيهم صفة المعارضة سياسيا، بحيث نصبوه رئيسا، ومن مظاهر ذلك:
– نص المادة 17 من القانون التنظيمي 113.14 على ما يلي:
(يتم انتخاب نواب الرئيس عن طريق الانتخاب باللائحة.
يقدم الرئيس لائحة النواب التي يقترحها.
يجوز لباقي أعضاء المجلس تقديم لوائح أخرى، وفي هذه الحالة، تقدم كل لائحة من هذه اللوائح من قبل العضو المرتب على رأسها.)
والحالة التي عندنا بجماعة ابن جرير أن وضعت لائحة واحدة دعمها 27.
-نص المادة 21 على ما يلي:
“إذا انقطع رئيس المجلس عن مزاولة مهامه لأي سبب من الأسباب المشار إليها في البنود من 1 إلى 6 والبند 8 من المادة 20 أعلاه، اعتبر مقالا، ويحل المكتب بحكم القانون”
وحل المكتب بإقالة الرئيس إنما دلالة على أنه قاطرة الأغلبية.
– وما جاء في المادة 71 حيث:
“يترتب على إقالة الرئيس أو عزله من مهامه أو استقالته عدم أهليته للترشح لرئاسة المجلس خلال ما تبقى من مدة انتداب المجلس. وفي هذه الحالة، يحل مكتب المجلس.
يتم انتخاب مكتب جديد للمجلس وفق الشروط وداخل الآجال المنصوص عليها في هذا القانون التنظيمي”
وإذا كان هذا الصراع والتراشق كله لأجل الظفر باللجان، فإن تخصيص لجنة للمعارضة دلالة على أنه استثناء، وإنما الأغلبية من يرأس البقية، والحاصل أن الاتفاق الخارج للعلن (بدون وثيقة) يحيل لترأس الأعضاء المنتسبين لأحزاب (الإنصاف؛الديمقراطيين الجدد؛ جبهة القوى الديمقراطية.)، ما يؤكد أن هؤلاء أغلبية، وعليه تصبح المعارضة مؤسسة تضطلع بحقوق وواجبات، ليكون غرض المشرع هو تجاوز النظر إلى المعارضة كمعول (بلوكاج).
فلو نظرنا إلى المادة 62 من النظام الداخلي لجماعة سلا مثلا وجدناها تقول: “تخصص بناء على مداولة المجلس الجماعي، ودون مناقشة رئاسة اللجنة الدائمة المكلفة بالسير والجولان والنقل والتنقل لعضو من المعارضة، وفي حالة عدم وجود عضو من المعارضة، يترشح باقي أعضاء المجلس لشغل هذا المنصب، باستثناء الرئيس ونوابه.”، فيما أن المادة 26 من النظام الداخلي لجماعة طنجة تقر بما يلي:” عملا بمقتضيات المادة 27 من القانون التنظيمي المتعلق بالجماعات فإن رئاسة إحدى اللجان الدائمة يجب أن تخصص للمعارضة.
تسند رئاسة لجنة المرافق العمومية والخدمات إلى المعارضة.”، لتضيف المادة 27 : ” في حالة رفض المعارضة الترشح لرئاسة اللجنة الدائمة المخصصة لها قانونا يمكن لأي عضو من أعضاء المجلس الترشح لشغله، وفق نفس الشكليات المبينة في المادة 24″.
وعليه، فالأولى افترضت عدم وجود المعارضة، وهذا مذهب يستحضر الممارسة السياسية، فيما الثانية استحضرت فرضية الرفض، على منوال الأولى.
فخلاصة القول أن المعارضة مطمحها هو إزاحة من يدبر فتكون هي البديل، ليبقى السؤال هل يعقل أن يدعم كيان سياسي توجه لرئاسة المجلس، فيتحول في الصبح لطامع في إزاحته، فألا يعد هذا عامل طرد للثقة في العمل السياسي في لحظة حرجة من أيامها، حيث يذكر أن مجلس جماعة ابن جرير لم يقنع إلا حوالي 7000 ناخب.
وأما نافلة القول، فهو أن الهدف والمطمح من خلال كل هذا ليس هو التناظر والتقارع الفكري المفضي للتناطح السلبي الذي يتغيا الربح، وإنما المسعى هو الرقي بالنقاش سواء اتفق مع هذا الطرح أو ذاك.

بقلم؛ محمد خليفة
باحث في العلوم السياسية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.