الخطاب الملكي بمناسبة الذكرى 23 لعيد العرش: الرسائل والتوجيهات بقلم محمد خليفة.
شعلة : بقلم محمد خليفة
إن الممتبع والمتمحص للخطاب الملكي السامي بمناسبة الذكرى 23 لعيد العرش المجيد، قد يتوقف عند حوالي 13 رسالة مهمة حيث، حرص جلالته على التوقف عند ما يلي:
1- رمزية الحدث ومدلوله:
إن جميع المغاربة واعون بأن الاحتفال بعيد العرش، (مناسبة سنوية لتجديد روابط البيعة المتبادلة، بين العرش والشعب.)، لذلك فأول ما جاء في الخطاب هو استحضار رمزية السياق، بما يحمل من توصيات مؤطرة بالبيعة.
2- سياق صعب يستوجب روح المبادرة:
حيث لئن استحضر جلالته السياق الشعب، فإنه أوضح الدواء من خلال قوله: (ولن نتمكن من رفع التحديات الداخلية والخارجية، إلا بالجمع بين روح المبادرة ومقومات الصمود، لتوطيد الاستقرار الاجتماعي، والنهوض بوضعية المرأة والأسرة؛ وتعزيز قدرات الاقتصاد الوطني.)
3- أهمية الارتقاء بوضعية المرأة
وفي هذا شدد جلالته على على أن تقدم المغرب يبقى رهينا بمكانة المرأة، ومشاركتها الفاعلة في مختلف مجالات التنمية فقال: (نشدد مرة أخرى، على ضرورة المشاركة الكاملة للمرأة المغربية، في كل المجالات.)
4- التفسير السليم لمدونة الأسرة:
أمام الواقع الذي يبدو أن مدونة الأسرة اصطدمت به، من خلال تفسيرات لم تحقق أهدافها، لذلك فإن جلالته أبى إلا أن يوجه للتفسير السليم لها حيث أكد أن الأمر هنا، لا يتعلق بمنح المرأة امتيازات مجانية؛ وإنما بإعطائها حقوقها القانونية والشرعية.
كما حرص جلالته على تشخيص أسباب عدم التطبيق الصحيح محيلا لما هو سوسيولوجي، وما يتعلق بنظرة القضاة (موظفي ورجال العدالة)، الذين مازالوا يعتقدون أن هذه المدونة خاصة بالنساء.
ليوضح بعدها أن أساسها وقوامها هو التوازن، حيث أنها مدونة للأسرة كلها، لأنها تعطي للمرأة حقوقها، وتعطي للرجل حقوقه، وتراعي مصلحة الأطفال، وفي ذلك مأسسة للأسرة. حيث قال جلالته: (وعلى الجميع أن يفهم، أن تمكين المرأة من حقوقها، لا يعني أنه سيكون على حساب الرجل؛ ولا يعني كذلك أنه سيكون على حساب المرأة.)
5- الدعوة لمراجعة مدونة الأسرة وفق ضوابط:
فبعد كل ما سلف دعى جلالته إلى ضرورة الانكباب على مراجعة مدونة الأسرة وفق ضوابط، أولها: النصوص القرآنية القطعية؛ وثانيها: مقاصد الشريعة الإسلامية؛ ورابعها: خصوصيات المجتمع المغربي؛ وخامسها: الاعتدال والاجتهاد المنفتح؛ وسادسها: التشاور والحوار بإشراك جميع المؤسسات والفعاليات المعنية. لتجاوز (الاختلالات والسلبيات، التي أبانت عنها التجربة، ومراجعة بعض البنود ، التي تم الانحراف بها عن أهدافها ، إذا اقتضى الحال ذلك…)
6- الدعوة لتعميم محاكم الأسرة
واستكمالا لذلك حرص جلالته على التوجيه للعمل على تعميم محاكم الأسرة، على كل المناطق، وتمكينها من الموارد البشرية المؤهلة، ومن الوسائل المادية، الكفيلة بأداء مهامها على الوجه المطلوب.
7- الاعتراف بصعوبة المرحلة وفضل تضافر الجهود في تدبيرها:
إذا كان مستهل الخطاب هو الحديث عن التلاحم، فإن وسطه جعل من هذا التلاحم أساسا لتجاوز الصعوبات، حيث لئن اعترف جلالته بأن (العديد من الناس، خاصة من الفئات الهشة والفقيرة، تأثروا كثيرا على المستوى الاقتصادي والاجتماعي.)، فإنه أشار للتمكن من تدبير هذه المرحلة الصعبة، بطريقة فريدة، بفضل تضافر جهود المواطنين والسلطات.
مبينا بعض تمظهرات ذلك، التي شهد بها الجميع، أبرزها أن المغرب من الدول الأولى، التي بادرت بشراء اللقاح، وتوفيره بالمجان، لجميع المواطنين والأجانب المقيمين بالمغرب، رغم ثمنه الباهظ.
بالإضافة إلى استهلال تنزيل المشروع الكبير، لتعميم الحماية الاجتماعية، وتأهيل المنظومة الصحية الوطنية.
مشيرا لتضافر جهود الدولة والقطاعين العام والخاص، التي مكنت الاقتصاد الوطني من الصمود، في وجه الأزمات والتقلبات
ذلك لم يمنع جلالته من الاستدراك قائلا: (لكن مرحلة الانتعاش، لم تدم طويلا، بسبب الظروف العالمية الحالية.)
8- طموح بلوغ “السيادة الصحية” وأمن وسلامة المواطنين:
كما حرص جلالته على التذكير بمجموعة من المشاريع، التي تم إطلاقها، الهادفة لتحقيق السيادة الصحية، وضمان أمن وسلامة المواطنين.
حيث أشار إلى مدى التقدم في ذلك، قائلا أنه: (في ظرف أقل من سنة، بلغ عدد المنخرطين في نظام التأمين الإجباري عن المرض، أكثر من ستة ملايين من العاملين غير الأجراء وعائلاتهم.) مضيفا أنه: (سيتم استكمال التغطية الصحية الإجبارية، في نهاية هذه السنة، من خلال تعميمها على المستفيدين من نظام “RAMED”.)
9- الدعوة لمزيد من العمل التضامني والإسراع في تنزيل السجل الاجتماعي الموحد:
وإذا كان التضامن هو ما ميز المغرب، فإن جلالته ما زال يؤكد عليه وعلى دوره، حيث أظهر العزم على تنزيل تعميم التعويضات العائلية، تدريجيا، ابتداء من نهاية 2023، وذلك وفق البرنامج المحدد لها.
كما حرص على الدعوة للإسراع بإخراج السجل الاجتماعي الموحد، باعتباره الآلية الأساسية لمنح الدعم، وضمان نجاعته. إضافة لتعزيز آليات التضامن الوطني.
10- استحضار تأثير الموسم الفلاحي المتواضع والتقلبات الدولية:
في خضم كل ذلك، استحضر جلالته عوامل خارجية ساهمت في التأثير على الوضع الداخلي، إضافة للموسم الفلاحي المتواضع. ما أدى لارتفاع أسعار بعض المواد الأساسية.
ليبرز مجهودات الدولة للتخفيف من ذلك، قائلا: (قمنا بإطلاق برنامج وطني للتخفيف من آثار الجفاف على الفلاحين، وعلى ساكنة العالم القروي.)
بالإضافة لتوجيهه الحكومة لتخصيص اعتمادات مهمة، لدعم ثمن بعض المواد الأساسية، وضمان توفيرها بالأسواق.
لذلك تم العمل على مضاعفة ميزانية صندوق المقاصة، لتتجاوز 32 مليار درهم، برسم سنة 2022.
11- الدعوة لمراقبة الأسعار وتغليب المصلحة العامة والاستفادة من الفرص والآفاق
من المعلوم أن هذا الوضع من شأنه أن يكون تربة خصبة للتلاعبات، لذلك حرص جلالته على الدعوة للتصدي بكل حزم ومسؤولية، للمضاربات والتلاعب بالأسعار.
كما دعى الحكومة والأوساط السياسية والاقتصادية، للعمل على تسهيل جلب الاستثمارات الأجنبية، التي تختار بلادنا في هذه الظروف العالمية، وإزالة العراقيل أمامها، وفي ذلك توجيه للطبقة السياسية والاقتصادية للتركيز على الأهم، دون أن يفوت فرصة التذكير بضرورة تغليب المصلحة العامة قائلا: (أخطر ما يواجه تنمية البلاد، والنهوض بالاستثمارات، هي العراقيل المقصودة، التي يهدف أصحابها لتحقيق أرباح شخصية، وخدمة مصالحهم الخاصة. وهو ما يجب محاربته.)
12- احترام التعهدات الدستوري:
إن رسائل جلالته الخارجية يمكن اعتبارها احتراما وتقيدا بالتعهدات الدستورية، التي لطالما حرص المغرب على تضمينها دساتيره، وهي القاضية بالعمل على بناء الاتحاد المغاربي كخيار استراتيجي وتعميق أواصر الانتماء إلى الأمة العربية والإسلامية وتوطيد وشائج الأخوة والتضامن مع شعوبها الشقيقة، ومؤشرات ذلك أقوال جلالة الملك في الخطاب:
* (الحدود، التي تفرق بين الشعبين الشقيقين، المغربي والجزائري، لن تكون أبدا، حدودا تغلق أجواء التواصل والتفاهم بينهما.)
* (نريدها أن تكون جسورا، تحمل بين يديها مستقبل المغرب والجزائر، وأن تعطي المثال للشعوب المغاربية الأخرى.)
* (أهيب بالمغاربة، لمواصلة التحلي بقيم الأخوة والتضامن، وحسن الجوار، التي تربطنا بأشقائنا الجزائريين؛ الذين نؤكد لهم بأنهم سيجدون دائما، المغرب والمغاربة إلى جانبهم، في كل الظروف والأحوال.)
* (نحن حريصون على الخروج من هذا الوضع، وتعزيز التقارب والتواصل والتفاهم بين الشعبين.)
* (وإننا نتطلع، للعمل مع الرئاسة الجزائرية، لأن يضع المغرب والجزائر يدا في يد، لإقامة علاقات طبيعية، بين شعبين شقيقين، تجمعهما روابط تاريخية وإنسانية، والمصير المشترك.)
* (ما يقال عن العلاقات المغربية الجزائرية، غير معقول ويحز في النفس. ونحن لم ولن نسمح لأي أحد، بالإساءة إلى أشقائنا وجيراننا.)
وفي إطار ذلك لم يفوت جلالته الفرصة للتوجيه نحو تقويم بعض السلوكات، مهما كان الجانب الذي تأتي منه، قائلا: (الادعاءات، التي تتهم المغاربة بسب الجزائر والجزائريين، فإن من يقومون بها، بطريقة غير مسؤولة، يريدون إشعال نار الفتنة بين الشعبين الشقيقين.)
13- التمسك بالتفاؤل خيرا
وهو ما تشير له آخر فقرة من الخطاب: (وخير ما نختم به قوله تعالى: “فإن مع العسر يسرا، إن مع العسر يسرا، فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب”. صدق الله العظيم).
شعلة بريسجريدة الكترونية مستقلة








