ابن جرير…حين تُستقدم الأقلام… وتُترك الحقيقة في الميدان
شعلة : حمدي
حين نتحدث عن ابن جرير، فإننا نتحدث عن مدينة تعرف تحولات متسارعة، وتعيش على وقع أوراش ومشاريع وتحديات حقيقية، كما نتحدث عن مدينة لها نسيجها السياسي والمؤسساتي والاجتماعي الذي يعرفه أبناؤها ويتابع تفاصيله بشكل يومي. ومن هنا، يطرح أكثر من سؤال حول لجوء بعض الأطراف إلى استقدام منابر إعلامية من خارج الإقليم لتناول قضايا محلية، في وقت توجد فيه صحافة محلية تتابع الشأن العام بالمدينة والإقليم، وهي في النهاية صحافة وطنية تمارس عملها في إطار القوانين المنظمة للمهنة، ولا تنتقص صفتها المحلية من صفتها الوطنية. فالمشكل ليس في أن يأتي صحافي من خارج الرحامنة للبحث في قضية تهم ابن جرير، فهذا حق مشروع، بل قد يكون أمراً إيجابياً ومفيداً عندما تكون الغاية هي البحث والتحقيق والاستماع إلى مختلف الأطراف والوقوف على الحقيقة بكل تجرد. لكن الإشكال يبدأ عندما يتم استقدام من لا يعرف شيئاً عن الإقليم ولا عن تفاصيل ملفاته، ولا يعرف طبيعة العلاقات بين الفاعلين فيه، ولا السياقات التي تحكم مواقفهم وتصريحاتهم، ثم يقدم للرأي العام قراءة مبتورة أو رواية لا تعكس بالضرورة حقيقة ما يجري على أرض الواقع.
فالصحافة المحلية التي تتابع ابن جرير بشكل يومي لا تنطلق من فراغ، وإنما راكمت عبر سنوات من العمل معرفة دقيقة بتفاصيل المدينة ومؤسساتها وفاعليها وملفاتها. وهي عندما تستمع إلى عضو بالمجلس الجماعي أو إلى فاعل سياسي أو مسؤول محلي، لا تتعامل فقط مع الكلمات التي قالها حرفياً، وإنما تفهم سياقها وخلفياتها، وتعرف في كثير من الأحيان ما الذي يقصده المتحدث من وراء كلامه، وما هي الرسالة التي يريد إيصالها، ولمن يمكن أن تكون موجهة. وهذه المعرفة لا يمكن اكتسابها من خلال زيارة عابرة للمدينة أو من خلال جمع بعض التصريحات من هنا وهناك، وإنما هي نتيجة متابعة يومية للشأن المحلي، ومعايشة مستمرة لتفاصيله. ولذلك فإن محاولة تجاوز الصحافة المحلية واستقدام منابر من خارج الإقليم، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بملفات دقيقة وحساسة، تطرح تساؤلات مشروعة حول الغاية من وراء ذلك: هل المقصود فعلاً البحث عن الحقيقة، أم صناعة رواية معينة وتوجيه الرأي العام نحو استنتاج محدد؟ لأن القضية ليست في مكان إقامة الصحافي، وإنما في مدى معرفته بالموضوع وقدرته على وضع الوقائع في سياقها الصحيح.
ومن بين الملفات التي يتم تداولها اليوم قضية المرفق الترفيهي الموجود في اتجاه المدخل الشمالي لمدينة ابن جرير، وهي قضية لا يمكن اختزالها في عنوان مثير أو في انطباع عابر، وإنما ينبغي الرجوع إلى مسارها المؤسساتي والقانوني كاملاً. فحسب المعطيات المتداولة، فإن الموضوع عرض على المجلس الجماعي، وتم التصويت عليه بالأغلبية، كما سلكت مسطرة الكراء الإجراءات القانونية والإدارية المعمول بها. وبالتالي، فإن من يريد مناقشة هذا الملف بموضوعية وتجرد، عليه أن يقدم للرأي العام الصورة كاملة، وأن يضع هذه المعطيات ضمن سياقها المؤسساتي، لا أن يوحي بأن الأمر تم بعيداً عن المؤسسة المنتخبة أو خارج المساطر القانونية. وهنا يصبح السؤال مشروعاً: لماذا يتم أحياناً تجاوز المسار المؤسساتي للملف والتركيز فقط على إثارة الشكوك حوله؟ ولماذا لا تقدم الوثائق والمعطيات كاملة للرأي العام، حتى يكون الحكم مبنياً على الوقائع والمعطيات، وليس على الانطباعات أو الروايات المجتزأة؟ فالاختلاف حول القرارات الجماعية أمر طبيعي، ومن حق أي عضو أن يؤيد أو يعارض أو يتحفظ، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن القرار أصبح خارج القانون أو أن المؤسسة لم تحترم المساطر المعمول بها.
أما قضية سيارات النقل المدرسي، فهي بدورها موضوع يستحق النقاش والاهتمام، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بخدمة تمس أبناء العالم القروي والأسر التي تعتمد عليها. لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: لماذا الآن؟ فسيارات النقل المدرسي التي أصبحت خارج الخدمة لم تظهر بين عشية وضحاها، وإنما هناك سيارات ظلت مركونة الواحدة تلو الأخرى منذ سنوات، وكان الجميع يرى وضعيتها. وإذا كانت هناك اختلالات في تدبير هذا القطاع، فليتم تحديدها بوضوح، وإذا كانت هناك مسؤوليات، فليتم تحديد المسؤول عنها وفق المعطيات والوثائق، وإذا كانت هناك حاجة إلى تجديد الأسطول، فليكن النقاش منصباً على كيفية توفير وسائل نقل مدرسية صالحة وآمنة ومستدامة تضمن لأبناء المناطق المستفيدة حقهم في الاستفادة من هذه الخدمة. أما تحويل الملف إلى مادة للمزايدة السياسية أو إلى وسيلة لتبادل الاتهامات، فلن يؤدي في النهاية إلا إلى مزيد من الضجيج، بينما تبقى المشكلة الحقيقية قائمة.
والأمر نفسه ينطبق على ملف النظافة والنفايات الذي أصبح من بين الملفات التي تشغل بال ساكنة ابن جرير، والتي من حقها أن ترى مدينة نظيفة وخدمات في مستوى تطلعاتها. المواطن لا ينتظر أن يعرف من هاجم من، ولا من نجح في تسجيل نقطة سياسية على حساب خصمه، وإنما يريد أن تختفي النفايات وأن تتحسن الخدمات وأن تتحمل كل جهة مسؤوليتها. والمجلس الجماعي، بأغلبيته ومعارضته، مطالب بأن يتعامل مع هذا الملف بروح المسؤولية، فالأغلبية مطالبة بالعمل وتقديم الحلول، والمعارضة مطالبة بالمراقبة والاقتراح والتنبيه إلى الاختلالات، وفي النهاية الجميع مطالب بأن يضع مصلحة المواطن فوق الحسابات السياسية. أما أن تتحول مشاكل المدينة إلى وسيلة للضرب تحت الحزام بين الفرقاء أو إلى مادة لتصفية الحسابات وإضعاف هذا الطرف أو ذاك، فإن المتضرر الأول والأخير سيكون هو المواطن.
كما أن محاولة الزج بالسلطات الإقليمية والمحلية في هذه الملفات وتحميلها مسؤولية صراعات سياسية أو انتخابية لا علاقة لها بها، يحتاج بدوره إلى كثير من الموضوعية والتجرد. فالسلطات مطالبة بالتعامل مع مختلف الأطراف وفق القانون، وعلاقتها بالمجلس الجماعي والمنتخبين والأحزاب هي علاقة مؤسسات تحكمها القوانين والاختصاصات والمساطر، وليست علاقة اصطفاف سياسي مع هذا الطرف أو ذاك. وإذا كانت السلطات قد اختارت التعامل مع مختلف الأطراف على قدم المساواة، واحترام المؤسسات والاختصاصات، والحفاظ على المسافة نفسها من مختلف الفرقاء، فإن ذلك ينبغي أن يحسب لها، لا أن يتحول إلى مادة للتأويل والاتهام. فإقحام الإدارة في كل خلاف سياسي أو مؤسساتي لا يخدم لا المؤسسات ولا المواطن، بل يساهم فقط في توسيع دائرة الخلاف وإبعاد النقاش عن جوهر المشاكل الحقيقية.
ابن جرير ليست بحاجة إلى تضخيم مشاكلها بقدر ما هي بحاجة إلى تشخيصها بصدق والبحث عن حلول واقعية لها. وليست بحاجة إلى معارك إعلامية عابرة تنتهي بانتهاء التصوير أو نشر المادة، وإنما تحتاج إلى إعلام محلي يعرف المدينة وملفاتها ويتابعها باستمرار، كما تحتاج إلى منتخبين يختلفون فيما بينهم، وهذا أمر طبيعي في الحياة الديمقراطية، لكنهم يضعون في النهاية مصلحة المواطن فوق الحسابات الشخصية والسياسية. فالصحافة المحلية ليست أقل وطنية لأنها محلية، بل إن الصحافي الذي يعيش تفاصيل المدينة ويتابع مؤسساتها وملفاتها بشكل مستمر يمكنه، عندما يلتزم بالموضوعية والتحقق، أن يقدم للرأي العام صورة أكثر اكتمالاً عن الواقع المحلي، لأنه يعرف الأشخاص والملفات والسياقات والتطورات التي سبقت الأحداث التي يتم تناولها إعلامياً.
أما الاستعانة بصحافة من خارج الإقليم، فلا ينبغي أن تتحول إلى وسيلة لتقديم قضايا ابن جرير لمن لا يعرف تاريخها ولا تفاصيلها ولا خلفياتها، ثم انتظار أن يفهم المشهد كاملاً من خلال تصريحات عابرة أو رواية طرف واحد. نحن بحاجة إلى من يتحدث عن ابن جرير، ولكن الأهم أن يكون من يعرف ابن جرير؛ نحتاج إلى من ينتقد، ولكن نحتاج أيضاً إلى من يفهم السياق؛ ونحتاج إلى من يفتح الملفات، ولكن دون اقتطاع الوقائع من سياقها أو تحويل الاختلاف السياسي إلى اتهامات جاهزة.
وفي النهاية، فإن الرأي العام ليس بحاجة إلى من يلقنه ماذا يعتقد، وإنما إلى معطيات كاملة تمكنه من تكوين رأيه بنفسه. فالاختلاف حق، والنقد حق، والمساءلة حق، والمعارضة حق، والدفاع عن الحصيلة حق، لكن كل هذه الحقوق تصبح أكثر قيمة عندما تمارس في إطار المسؤولية والاحترام والاحتكام إلى الوثائق والقانون. أما تحويل مشاكل المدينة إلى أدوات للصراع، أو توظيفها لخدمة أجندات شخصية وحسابات سياسية ضيقة، فلن يؤدي إلا إلى مزيد من الاحتقان، بينما تظل القضايا الحقيقية تنتظر الحلول.
نتكلم عن ابن جرير لأننا نريد أن تبقى قضاياها في إطار النقاش المسؤول، بعيداً عن الأجندات الشخصية والحسابات السياسية الضيقة، وبعيداً عن تحويل مشاكل المواطن إلى أدوات للصراع. نتكلم عن ابن جرير لأن هذه المدينة تستحق أن تُنقل صورتها كما هي، بكل ما فيها من إنجازات واختلالات وتحديات، لا أن تقدم للرأي العام من خلال رواية انتقائية أو قراءة عابرة. فالاختلاف يمكن أن يكون صحياً، والنقد يمكن أن يكون بنّاءً، والمساءلة يمكن أن تكون مفيدة، لكن ابن جرير أكبر من أن تتحول إلى ساحة لتصفية الحسابات. نتكلم عن ابن جرير… لأن من يريد أن يتحدث باسمها، عليه أولاً أن يعرفها.
شعلة بريسجريدة الكترونية مستقلة









