“الآليات الصامتة بإقليم الرحامنة: إهدار للمال العام أم غياب لإرادة التغيير؟
شعلة
في قلب إقليم الرحامنة، حيث تمتد مساحات واسعة من القرى والدواوير التي تعاني من عزلة خانقة ونقص حاد في البنيات التحتية، تبرز مفارقة صادمة: آليات ثقيلة ومعدات متعددة تمتلكها مؤسسة التعاون بين الجماعات الترابية للرحامنة الجنوبية أو توجد بمستودعات عمالة الإقليم، لكنها تركن تحت أشعة الشمس والرياح، تتآكل تدريجيًا، دون أن تُستخدم لخدمة الساكنة التي لا تزال تنتظر أبسط مقومات العيش الكريم.
رغم ما يُسجَّل من مجهودات لتوسيع شبكة الماء الصالح للشرب أو تحسين المسالك الطرقية، فإن عدداً من الجماعات القروية لا تزال تواجه تحديات كبيرة في إنجاز هذه المشاريع، بينما توجد آليات حفر وجرف وشاحنات مخصصة لهذه المهام، غير مستعملة إلا في مناسبات نادرة، وكأنها خُلقت لتزيين المستودعات فقط.
السبب؟ تعقيدات إدارية ومالية يغلب عليها طابع الصراع الضيق بين الجماعات، إذ تشير المعطيات إلى أن مجموعة التعاون الرحامنة الجنوبية التي تمتلك هذه الآليات تعاني من تأخر بعض أعضائها في أداء المساهمات المالية المترتبة عليها، والتي تُخصص لتغطية مصاريف الصيانة، أجور السائقين، والوقود. وبهذا، تظل الآليات حبيسة المستودعات، بدل أن تكون رافعة تنموية تعيد الأمل إلى دواوير تعاني التهميش منذ سنوات.
من جهة أخرى، تشير مصادر محلية إلى وجود آليات أخرى مكدّسة داخل مستودع عمالة الإقليم، دون أن يعرف أحد بشكل واضح لمن تعود ملكيتها، بين من يرجح أنها للمجلس الإقليمي وبين من يقول إنها تابعة للعمالة نفسها. لكن المشكل الحقيقي ليس في “الملكية”، بل في استمرار تعطيل هذه الوسائل التي كان بالإمكان تسخيرها في مشاريع آنية وذات طابع استعجالي، مثل مدّ قنوات الماء الصالح للشرب إلى منازل الأسر، أو فتح مسالك طرقية لفك العزلة، أو حتى المساهمة في إصلاح البنية التحتية المتدهورة في العديد من المناطق.
المثير في الأمر، أن دعوات بعض المنتخبين والفاعلين المدنيين لتفعيل هذه الآليات غالبًا ما تُقابل بالتشكيك ورفض مبطن، بدعوى أن ذلك يدخل في إطار “حملات انتخابية سابقة لأوانها”، في وقت لا تزال تفصلنا أكثر من سنتين عن الاستحقاقات المقبلة، وكأن انتظار “اللحظة السياسية المناسبة” أهم من خدمة المواطن وتلبية حاجياته الملحة.
إن استمرار هذا الوضع يطرح أكثر من علامة استفهام حول نجاعة التدبير المحلي، ويثير جدلًا واسعًا بشأن المسؤولية السياسية والأخلاقية في تعطيل موارد عمومية اقتُنيت من المال العام، لكنها لم تُستثمر بالحد الأدنى المطلوب. وهو ما يفتح المجال للحديث عن سوء الحكامة وهدر الزمن التنموي في إقليم ما زال في أمسّ الحاجة إلى إرادة حقيقية، تتجاوز الحسابات الضيقة نحو رؤية واضحة تُعيد الاعتبار للمواطن وكرامته.
فهل تتحرك الجهات المعنية قبل أن تتحول هذه الآليات إلى خردة؟ وهل يعلو صوت التنمية أخيرًا فوق صخب المزايدات السياسية؟
شعلة بريسجريدة الكترونية مستقلة








