شعلة هبة المنصوري
سلط مقال تحليلي نشره موقع «إنترناشونال بوليسي دايجست» الضوء على توجه المغرب نحو إضفاء مكانة مؤسساتية بارزة على الذكاء الاصطناعي، من خلال إدراجه ضمن هيكلة حكومية جديدة، معتبرا أن هذه الخطوة تعكس طموح المملكة إلى تعزيز حضورها في الاقتصاد الرقمي العالمي، لكنها تضعها أمام تحديات تتجاوز إحداث وزارة أو وضع استراتيجيات معلنة.
وتوقف المقال عند تعيين أحمد رحو، يوم 16 أكتوبر الجاري، على رأس وزارة الذكاء الاصطناعي والانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة، معتبرا أن هذه الخطوة تثير تساؤلات بشأن النموذج الذي يختاره المغرب لتطوير قدراته التكنولوجية، خاصة في ظل اختلاف التجربة الأمريكية، التي راكمت ريادة في هذا المجال دون إحداث وزارة اتحادية مخصصة حصريا للذكاء الاصطناعي.
وفي هذا السياق، أوضح المصدر ذاته أن التفوق الأمريكي لم يكن نتيجة بنية وزارية مركزية، بل ثمرة منظومة متكاملة تجمع الجامعات ومراكز البحث والتمويل العمومي والاستثمارات الخاصة، وهي منظومة تطورت منذ ورشة دارتموث سنة 1956، التي شكلت إحدى المحطات التأسيسية لبحوث الذكاء الاصطناعي.
واعتبر التحليل أن اختيار المغرب إحداث وزارة تحمل الذكاء الاصطناعي ضمن اختصاصاتها لا يمثل في حد ذاته ضمانة للابتكار، مشددا على أن الرهان الحقيقي يتمثل في قدرة هذه المؤسسة على تنسيق السياسات العمومية وتوجيه الاستثمارات وتحويل الطموحات المعلنة إلى نتائج اقتصادية وعلمية ملموسة.
كما أبرز المقال أهمية خارطة طريق «الذكاء الاصطناعي المغرب 2030»، التي قدمت في شتنبر الماضي، والتي تستهدف تحقيق قيمة اقتصادية مضافة تناهز 100 مليار درهم، وإحداث 50 ألف منصب شغل مباشر وغير مباشر، فضلا عن تكوين أو اعتماد 200 ألف شخص، مع التركيز على الابتكار والسيادة الرقمية وتطوير البنيات التحتية.
غير أن بلوغ هذه الأهداف، بحسب المصدر، يظل مرتبطا بتوفير التمويلات الضرورية، وتعزيز البنيات التحتية للطاقة والاتصالات، وتطوير قدرات الحوسبة وإتاحة البيانات القابلة للاستعمال، باعتبارها شروطا أساسية لبناء منظومة تكنولوجية قادرة على المنافسة.
وفي ما يتعلق بمجالات التطبيق، أشار المقال إلى أن المغرب يتوفر على فرص مهمة لتوظيف الذكاء الاصطناعي في معالجة عدد من الإشكالات التنموية، لاسيما تدبير الموارد المائية، وتحسين المردودية الفلاحية والتنبؤ بالجفاف، فضلا عن تطوير الخدمات الصحية والتعليمية وتحسين تدبير النقل والإدارة العمومية.
وسجل المصدر ذاته أن تطوير حلول رقمية تستجيب للخصوصيات اللغوية والثقافية للمجتمع المغربي، بما في ذلك الدارجة والأمازيغية، يمكن أن يساهم في توسيع الولوج إلى الخدمات العمومية وتقليص التبعية للتطبيقات المصممة أساسا لأسواق أجنبية.
كما شدد على أن تحقيق السيادة الرقمية لا يستلزم بالضرورة تصنيع جميع المكونات التكنولوجية محليا أو الاستغناء عن الشراكات الدولية، بقدر ما يتطلب امتلاك الخبرات اللازمة لفهم التقنيات المستوردة، وحماية البيانات الحساسة، وضمان القدرة على التفاوض بشأن العقود والاتفاقيات التكنولوجية.
وعلى المستوى الإفريقي، طرح التحليل إمكانية اضطلاع المغرب بدور شريك إقليمي في تطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي الملائمة لاحتياجات الاقتصادات الإفريقية وخصوصياتها اللغوية والصناعية، معتبرا أن تحقيق هذا الطموح يستدعي الاستثمار في الجامعات ومراكز البحث وتعزيز الثقة في المؤسسات القانونية.
وفي المقابل، نبه المقال إلى ضرورة إيلاء قضايا الشفافية والمساءلة وحماية المعطيات الشخصية أهمية مركزية في السياسات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، تفاديا لمخاطر التمييز والمراقبة الرقمية وإقصاء الفئات التي لا تتوفر على المهارات اللازمة للاستفادة من التحول التكنولوجي.
وخلص التحليل إلى أن التعليم وتكوين الكفاءات يشكلان الاختبار الأبرز لنجاح التجربة المغربية، مبرزا أن نشر ثقافة استعمال التطبيقات الذكية لا يعوض تكوين الباحثين والمهندسين وخبراء الأمن السيبراني القادرين على تطوير هذه الأنظمة وتقييمها.
وأكد أن قياس نجاح الرهان المغربي ينبغي أن يستند إلى مؤشرات عملية، من قبيل عدد الباحثين المدعومين، وقدرة المقاولات المحلية على المنافسة، ومدى احتفاظ الجامعات بالكفاءات المتخصصة، وحجم القيمة الاقتصادية التي يتم إنتاجها داخل المملكة، مشددا على أن بناء قوة تكنولوجية لا يتحقق بمجرد تغيير التسميات المؤسساتية، وإنما بالاستثمار في الإنسان والمعرفة والبحث العلمي.