حزب الأحرار بالرحامنة جسد بلا روح في ظل الهيمنة السياسية للقرارات الفوقية.
شعلة
يعد المشهد السياسي في إقليم الرحامنة مثالًا واضحًا على التداخل بين التحالفات الحزبية والصراعات الداخلية التي تفقد العملية الديمقراطية زخمها الحقيقي. فبالرغم من المنافسة القوية بين حزب التجمع الوطني للأحرار وحزب الأصالة والمعاصرة، إلا أن الأخير استطاع أن يرسخ نفوذه باعتباره الحزب الذي نشأ في هذه المنطقة في ظروف استثنائية، مما جعله في موقع قوة أمام منافسيه. ورغم محاولات الأحرار لتثبيت وجودهم، إلا أنهم اصطدموا بعدة عراقيل، أبرزها التدخلات الخارجية، ضعف التنسيق الداخلي، وفقدان زمام المبادرة في الاستحقاقات المحلية.
حافظ حزب الأصالة والمعاصرة على نفوذه داخل إقليم الرحامنة، مستفيدًا من كونه الحزب الذي انطلق من هذه المنطقة متسببًا في خلخلة المشهد السياسي بالمغرب بقيادة إبن المنطقة عالي الهمة آنذاك، ما جعله يحظى بتأييد واسع. إلا أن الحزب بعد ذلك شهد موجة هروب لعشرات المناضلين منه، إما بسبب عدم تمكنهم من الحصول على التزكية، أو نتيجة التطاحنات الداخلية، أو بسبب التدخلات الخارجية التي أثرت على قرارات الحزب بالإقليم. هذا النزيف في صفوف الجرار استغله حزب الأحرار لتوسيع نفوذه، خصوصًا مع دخول رجال أعمال بارزين مثل عبد العزيز العلوي و بعده عبد اللطيف صنديل، كما أن حزب الأحرار استفاد في إشعاعه من انخراط عائلة آل العيادي في صفوفه، وهي عائلة تستمد قوتها من الزخم التاريخي للقائد العيادي وقربه آنذاك من مراكز القرار، ما منح الحزب دفعة قوية على مستوى التأثير السياسي بالإقليم. مما عزز مكانة الحزب في الانتخابات المحلية والتشريعية، بالرغم من استمرار الأصالة والمعاصرة في فرض نفسه كقوة رئيسية في المنطقة.
رغم ما يبدو ظاهريًا من تنافس سياسي بين الأحرار والأصالة والمعاصرة، إلا أن هذه المنافسة فقدت قيمتها الديمقراطية بسبب ما يعرف بـ”الميثاق الأخلاقي” الموقع بين أحزاب الأغلبية الحكومية، والمكونة من التجمع الوطني للأحرار، الأصالة والمعاصرة، وحزب الاستقلال. هذا الاتفاق أضعف التنافس الحقيقي، حيث تم منع العديد من وكلاء اللوائح من الترشح لرئاسة الجماعات، رغم حصولهم على الأغلبية أو قدرتهم على تشكيل تحالفات ناجحة. ومن بين الجماعات التي تأثرت بهذه الوضعية نجد على سبيل المثال الجبيلات، سيدي بوعثمان، ابن جرير، وغيرها، حيث أدى الاتفاق الثلاثي إلى التحكم في توزيع المناصب بطريقة توافقية بين الأحزاب، مما أفقد الانتخابات المحلية معناها الحقيقي كآلية ديمقراطية تعكس إرادة الناخبين.
واجه حزب الأحرار تحديًا آخر يتمثل في غياب منسق إقليمي قادر على تدبير الصراعات الداخلية وتقوية حضور الحزب بالإقليم، حيث بقيت الأمور بيد المنسق الجهوي محمد القباج، الذي كان له نفوذ قوي في اتخاذ القرارات، ورفض منح التزكيات على سبيل المثال لمناضلي الحزب بمدينة ابن جرير في مناسبتين، مما أدى إلى فقدان الحزب لكثير من وزنه السياسي بالإقليم. في المرحلة الأولى، تسبب هذا القرار في مشاركة مناضلي الأحرار في مجلس تقوده الاتحادية بهية اليوسفي، إلا أن هذه التجربة لم تمكنهم من فرض سيطرتهم على تدبير الشأن المحلي. أما في المرحلة الثانية، وبعد عزل بهية اليوسفي بقرار من المحكمة الإدارية بمراكش برئاسة عبد اللطيف وردي، عاد حزب الأحرار إلى الواجهة بتحالفات مختلفة، حيث نجح في الإمساك بزمام الأمور، وأصبح شريكًا رئيسيًا في تدبير المجلس الجماعي إلى جانب أحزاب صغيرة، فيما احتفظ حزب الأصالة والمعاصرة برئاسة شكلية لا تعكس حقيقة موازين القوى داخل المجلس.
تعكس تجربة حزب الأحرار في إقليم الرحامنة مشهدًا سياسيًا معقدًا، حيث يجد الحزب نفسه في وضعية غير مستقرة رغم محاولاته توسيع نفوذه على حساب الأصالة والمعاصرة، مستغلًا الصراعات الداخلية لهذا الأخير. وبين هروب المناضلين ، ضعف القيادة الإقليمية، والتأثير القوي للتحالفات الحكومية، يبقى الحزب عاجزًا عن فرض نفسه كرقم صعب في المعادلة السياسية المحلية. فهل يستطيع الأحرار تجاوز هذه الإشكالات وإعادة بناء تنظيمه بالإقليم، أم سيظل مجرد رقم ثانوي في ظل الهيمنة المستمرة لحزب الجرار؟
شعلة بريسجريدة الكترونية مستقلة









