مشروع “البام” المختطف… أبناء الرحامنة يتشبثون بالحلم فيما يقوده آخرون وفق اجنداتهم الضيقة
شعلة : حمدي
لم يكن “الجرار” الذي شق طريقه من تراب إقليم الرحامنة مجرد شعار سياسي أو لائحة انتخابية؛ بل كان تجسيدًا لحلم جماعي ولد من رحم الكرامة والمواطنة، حلم تبنّاه أبناء وبنات هذه الأرض، ونسجوا خيوطه الأولى تحت راية “حركة لكل الديمقراطيين”. فكرة انطلقت من عمق المغرب غير النافع، لتصبح مشروعًا سياسيًا طموحًا أراد أن يضخ دمًا جديدًا في شرايين السياسة المغربية، ويكون أداة للتنمية والعدالة المجالية.
لكن، ويا للمفارقة، سرعان ما تحوّل هذا المشروع إلى كابوس سياسي يراه أبناء الرحامنة يُختطف أمام أعينهم، وهم عاجزون عن إيقاف هذا النزيف. لقد زاغ “الجرار” عن سكته الأصلية، لتصبح أرضه الأم – إقليم الرحامنة – مجرد هامش في دفتر حسابات قادة الحزب الجدد.
أبناء الرحامنة الذين صنعوا المجد السياسي لـ”البام”، وجدوا أنفسهم مقصيين، مهمشين، لا صوت لهم في المكتب السياسي، ولا حضور لهم على رأس مجلس الجهة، ولا حتى في مناصب قبة البرلمان. اختار الحزب أن يدير ظهره لهم، وكأن ذاكرة النشأة لا تعني شيئًا، وكأن “ابن جرير” التي شهدت ميلاد الفكرة يجب أن تُنسى وتمحى من سجل التاريخ.
المتعارف عليه، بل والمعتاد في الحياة السياسية العالمية، أن الأحزاب تؤسس لنفسها رموزًا ومقرات شامخة في معاقلها الأولى، وفاءً لروح التأسيس، وترسيخًا لهويتها المجالية. إلا أن حزب الأصالة والمعاصرة ظل استثناءً سلبيًا في هذا السياق، إذ لا يزال رمزه حبرًا على ورق، بعد مرور خمسة عشر عامًا على التأسيس.
ولعل المفارقة الأشد إيلامًا أن هذا المقر الذي يُفترض أن يكون شاهدًا على الولادة السياسية، بات اليوم رمزًا للتنكر والجحود. إنه مبنى صامت في قلب مناضلي الحزب بربوع إقليم الرحامنة، شاهِد على حلم يُمحى بصمت، وعلى طاقات تم إبعادها قسرًا، لا لضعف كفاءتها، بل انتقامًا لحسابات شخصية ضيقة، لا تراعي لا المشروع ولا رموزه ولا تاريخه.
إن إقصاء الرموز المؤسسة للحزب، وتهميش الطاقات الصادقة التي رافقت مشروع “الكرامة والمواطنة” منذ نشأته، ليس فقط إهانة للرحامنة، بل طعنة في خاصرة الحزب نفسه، ومساسًا بشرعية انطلاقته، وضربًا بعرض الحائط لمسيرة نضالية وُلدت من رحم معاناة المغرب العميق.
أما على مستوى التنمية، يبقى نصيب الإقليم محتشما من الاستثمارات والمشاريع، رغم أن العديد من القطاعات الحيوية تُدار من قبل وزراء ينتمون لحزب “البام”. باستثناء وزارة الإسكان وسياسة المدينة التي تشمل برامجها عموم التراب الوطني، فإن الوزارات الأخرى بدون استثناء، على رأسهم وزارة الثقافة والشباب والاتصال، لم تُعِر الإقليم اهتمامًا يُذكر، وكأن الرحامنة لا علاقة لهم بالحزب الذي انطلق من ترابهم.
لقد صار الحزب غريبًا عن بيئته، غريبًا عن تاريخه، غريبًا حتى عن قاعدته الصلبة التي ظلّت تتشبث بالمشروع رغم كل الخيبات. أبناء الرحامنة لا يزالون على العهد، لكنهم يرون الحلم يُختطف في واضحة النهار، يرونه يُفرغ من محتواه، ويُحوّل إلى أداة في يد نخبة لا تحمل لا ذاكرة المشروع ولا روحه.
فإلى متى سيظل “البام” يطارد أوهام الريادة على حساب أصله؟ وإلى متى سيبقى أبناء الرحامنة خارج معادلة القرار، وهم الذين كانوا أول من آمن وآزر وأطلق شرارة هذا المسار السياسي؟
إنها دعوة لمراجعة الذات، ولرد الاعتبار للتربة التي أنجبت الحزب، قبل أن يتحول إلى مجرد رقم في معادلة السلطة بلا روح ولا جذور.
شعلة بريسجريدة الكترونية مستقلة









