تصفح جريدة شعلة

24 ساعة

الرئيسية » اراء و اقلام » حين يتحول الفكر الى طقس نخبوي…يغيب التغيير و يحضر الجمود

حين يتحول الفكر الى طقس نخبوي…يغيب التغيير و يحضر الجمود

شعلة

يُعدّ المثقف أحد أهم الفاعلين في تشكيل وعي المجتمع وصناعة الرأي العام، لما يمتلكه من قدرة على التحليل النقدي والتفكير المستقل وتوجيه النقاش نحو قضايا التقدم والإصلاح. غير أن السؤال الذي يظل مطروحاً هو: هل يضطلع المثقف فعلاً بدوره في التغيير الاجتماعي والسياسي، أم أنه يكتفي بالتموضع داخل فضاء أكاديمي مغلق يستهلك فيه المعرفة دون أن يحولها إلى قوة فاعلة في الواقع؟

لقد ارتبط دور المثقف، عبر التاريخ، بالالتزام الأخلاقي والفكري تجاه قضايا مجتمعه، فهو ضمير الأمة وصوتها الواعي، الرافض للظلم والمدافع عن قيم العدالة والكرامة الإنسانية. والمثقف الحقيقي لا ينفصل عن محيطه، بل يعيش هموم الناس ويعبّر عنها بلغة الفكر والعقل والتحليل العميق، مساهماً في بناء مجتمع أكثر وعياً وإنصافاً.

العلاقة بين المثقف والنخب السياسية يجب أن تكون علاقة تكامل وتغذية فكرية متبادلة. فالنخب السياسية في حاجة إلى المثقفين لتغذية قراراتها بالأفكار النيرة والرؤى المستنيرة التي تجعل من تدبير الشأن العام عملاً قائماً على المصداقية والنجاعة والتخطيط السليم. فحين ينصت السياسي للمثقف، يكون قراره أكثر وعياً ومسؤولية، وحين يتجاهله، يفقد البوصلة الفكرية التي توجه العمل السياسي نحو المصلحة العامة. ومن هنا، فإن المثقف لا يقف على الهامش، بل يُعدّ رافعة ضرورية لترشيد الممارسة السياسية، ودعم النخب في بناء خطاب عقلاني ومشاريع تنموية واقعية تستجيب لتطلعات المواطنين.

أما علاقته بالمجتمع المدني، فهي علاقة تفاعل حيوي، إذ يُسهم المثقف في إغناء العمل الجمعوي بالأفكار والمرجعيات الفكرية التي تمنحه بعداً تنويرياً وتربوياً. كما أن المجتمع المدني، بما يملكه من احتكاك مباشر بالمواطنين، يوفر للمثقف فرصة للتفاعل مع القضايا الحقيقية للمجتمع، فيتحول الفكر إلى فعل، والنقد إلى مبادرة. لكن غياب التنسيق بين الطرفين في بعض الأحيان يجعل الأفكار تبقى حبيسة الورق، ويُفقد المشاريع الثقافية قوتها الإصلاحية.

وفي المشهد الإعلامي، يبرز دور الصحافيين كحلقة وصل أساسية بين المثقفين والمجتمع. فالصحافي الواعي هو مثقف في حد ذاته، منفتح على مختلف التيارات الفكرية والسياسية، يتميز بالحس المهني والاستقلالية التي تمكّنه من إدارة النقاش العمومي بحياد ومسؤولية. من خلال البرامج الحوارية ، يمكن للصحافيين أن يخلقوا فضاءات حقيقية لتلاقح الفكر، فيستضيفون المثقفين لمناقشة القضايا الكبرى أمام الجمهور، بعيداً عن الخطابات النخبوية أو الأكاديمية المغلقة. فالصحافة الحرة والمهنية قادرة على جعل الثقافة في متناول الجميع، وعلى تجديد العلاقة بين الفكر والمجتمع عبر التواصل والتنوير.

غير أن جزءاً من المثقفين، مع الأسف، لا يزال يعيش داخل دوائر ضيقة، يناقش أفكاره بلغة مغلقة لا تصل إلى الناس، وينحصر نشاطه في اللقاءات الأدبية والنقاشات المحدودة التي لا تتجاوز جدران القاعات أو الصفحات النظرية. هذا السلوك يجعل الفكر عاجزاً عن أداء رسالته، ويحرم المجتمع من طاقة فكرية يمكن أن تساهم في التوعية والتغيير. فالمثقف الذي لا ينفتح على الواقع ولا يخاطب جمهوره بلغة واضحة ومباشرة، يظل حبيس مجاله، مهما كانت قيمة أفكاره.

إن المثقف المعاصر مدعو إلى الانخراط الإيجابي في الحياة العامة، والمشاركة في النقاش العمومي حول القضايا التنموية والثقافية والاجتماعية، من موقع المسؤولية الفكرية والوعي العميق، لا من موقع الانعزال أو التخصص الضيق. فالمجتمعات لا تبنى بالخطب النظرية فقط، بل بمثقفين فاعلين يؤمنون بدورهم في توجيه النخب، وتحفيز الوعي، وبناء جسور الثقة بين الفكر والعمل، وبين المواطن ومؤسسات الدولة.

في النهاية، لا يشكّل المثقفون زينة للمجتمعات ولا مجرد رواة للنصوص، بل هم شركاء حقيقيون في صياغة مصير الأمم وصناعة وعيها الجماعي. فوجودهم الفاعل في الفضاء العمومي، وتفاعلهم الإيجابي مع النخب السياسية والمجتمع المدني والإعلام، هو ما يمنح المجتمعات قدرتها على التفكير والنقد والتجديد. أمّا حين يختار المثقفون الانغلاق في زوايا ضيقة، أو يُدفعون إلى التهميش والعزلة داخل دوائر مغلقة، فإن المجتمع يفقد بذلك بوصلة الفكر ويُحرم من قوّة النقد والإصلاح التي تُسهم في تقدّمه ونضجه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.