سجن ابن جرير… حين يختلط النقاش المحلي بوظيفة الدولة
شعلة
يثير افتتاح وحدة سجنية جديدة بمدينة ابن جرير نقاشًا متباينًا، تتداخل فيه الأحكام المسبقة مع قراءات مجتزأة لوظيفة هذه المؤسسات. فبين من يرى في المشروع وصمة تُلصق بالمدينة والإقليم، وبين من يتعامل معه كجزء من البنية المؤسساتية للدولة، يبرز سؤال جوهري: هل ننظر إلى السجن كعبء محلي، أم كمرفق وطني يندرج ضمن منظومة العدالة؟
إن اختزال بناء مؤسسة سجنية في بعدها الترابي الضيق يطرح إشكالًا في فهم طبيعة الدولة الحديثة. فالسجون، كما المحاكم ومقرات الأمن والدرك، ليست مشاريع “محلية” تُنسب إلى مدينة دون أخرى، بل هي مكونات أساسية لمنظومة وطنية متكاملة، هدفها تحقيق العدالة وضمان الأمن وحماية الحقوق. ولو كان معيار الرفض هو الخشية من “الصورة” أو “السمعة”، لما قبلت أي جهة في المملكة احتضان مثل هذه المؤسسات، وهو أمر غير منطقي في دولة تقوم على توزيع عادل للبنيات والخدمات.
ثم إن الحديث عن “إلصاق” السجن بابن جرير فيه قدر من التبسيط، بل وحتى من الظلم للمدينة وساكنتها. فهذه المؤسسة، كما غيرها من سجون الجيل الجديد، تُبنى وفق معايير حديثة تراعي البعد الإنساني وإعادة الإدماج، ولا علاقة لها بالصورة النمطية القديمة التي ترسخت في الأذهان. هي فضاء لإصلاح السلوك، وليس مجرد مكان للعقاب، ومكون من مكونات سياسة جنائية تسعى إلى التوازن بين الردع والتأهيل.
أما الربط بين وجود السجن وقضايا مثل الشباب أو التشغيل أو التنمية المحلية، فهو ربط متسرع يفتقر إلى الدقة. فالسجون ليست انعكاسًا لواقع مدينة بعينها، بل مرآة للمجتمع ككل. داخل أسوارها نجد الشاب كما الشيخ، والغني كما الفقير، والمتعلم كما الأمي. فهل يعني ذلك أن كل مدينة تحتضن سجنًا تُختزل في هذه الفئات؟ بطبيعة الحال لا. وإلا لكان وجود محكمة في مدينة ما دليلًا على “كثرة الجريمة” فيها، أو وجود مركز أمني مؤشرًا سلبيًا على أمنها، وهو منطق مقلوب.
إن من يرفض السجن بدعوى تأثيره الرمزي، عليه أن يطرح السؤال بشكل أعمق: لماذا تُبنى السجون أصلًا؟ ولماذا توجد المحاكم؟ ولماذا تُخصص موارد للأمن والقضاء؟ الجواب بسيط ومعقد في الآن ذاته: لأن المجتمع، بطبيعته، يحتاج إلى آليات لضبط التوازن، وحماية الحقوق، ومعالجة الانحرافات. والسجن جزء من هذه المنظومة، لا يمكن عزله عنها أو شيطنته خارج سياقه.
ابن جرير، كغيرها من مدن المملكة، ليست استثناءً من هذا المنطق. بل إن احتضانها لمؤسسة سجنية حديثة يمكن قراءته أيضًا كدليل على اندماجها في الدينامية الوطنية الكبرى، وليس كوصمة تُلصق بها. فالمدن لا تُقاس فقط بما يُبنى فيها من مشاريع “جذابة”، بل أيضًا بمدى مساهمتها في احتضان مختلف مرافق الدولة، بما فيها تلك التي قد لا تحظى بإجماع عاطفي، لكنها تظل ضرورية.
في النهاية، الاختلاف في الرأي صحي، بل ومطلوب، لكنه يفقد قيمته حين يتحول إلى أحكام جاهزة أو مواقف مبنية على الانطباع بدل الفهم. والسؤال الذي ينبغي أن يوجَّه ليس: لماذا بُني السجن هنا؟ بل: كيف يمكن أن نفهم دوره في إطار منظومة أوسع، وكيف نرتقي بالنقاش من مستوى الانفعال إلى مستوى التفكير المسؤول.
شعلة بريسجريدة الكترونية مستقلة









