خبر لقجع… لماذا ارتبك الخصوم قبل أن يتحدث البام؟
شعلة
في السياسة، ليست كل الأخبار متشابهة؛ فبعضها يمر مرور الكرام، فيما يتحول بعضها الآخر إلى حدث يكشف الكثير من موازين القوى والهواجس السياسية أكثر مما يكشفه الخبر نفسه. وهذا ما حدث مع تداول خبر التحاق الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، فوزي لقجع، بحزب الأصالة والمعاصرة، إذ لم يكد الخبر ينتشر حتى أشعل موجة واسعة من النقاش وردود الفعل، خصوصًا داخل صفوف بعض الأحزاب المنافسة، وفي مقدمتها حزب العدالة والتنمية.
واللافت في الأمر أن حزب الأصالة والمعاصرة لم يصدر، إلى حدود كتابة هذه السطور، أي بلاغ رسمي يؤكد أو ينفي الخبر، ومع ذلك تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحة مواجهة سياسية، فيما خرج عدد من قيادات حزب العدالة والتنمية بتصريحات إعلامية انتقدت هذا الالتحاق وشككت في دلالاته، رغم أن تغيير الانتماء الحزبي أو الالتحاق بأي تنظيم سياسي، متى تم وفق الضوابط القانونية، يبقى حقًا يكفله الدستور والقوانين المنظمة للحياة السياسية.
ولم تتوقف ردود الفعل عند التصريحات الإعلامية، بل سارعت الكتائب الإلكترونية المحسوبة على بعض التنظيمات السياسية، وعلى رأسها تلك القريبة من حزب عبد الإله ابن كيران، إلى إطلاق حملة واسعة من الانتقادات والاتهامات، استندت في كثير من الأحيان إلى تدوينات وتعليقات متفرقة على مواقع التواصل الاجتماعي، حاولت ربط هذا الالتحاق المفترض بسيناريو استعداد حزب الأصالة والمعاصرة لتصدر الانتخابات المقبلة وقيادة ما بات يُوصف إعلاميًا بـ”حكومة المونديال”.
غير أن هذا الربط لم يصدر عن الحزب نفسه، ولم يرد في أي موقف أو بلاغ رسمي، بل ظل مجرد تأويلات وتعبيرات متداولة في الفضاء الرقمي، تحولت بسرعة إلى مادة للصراع السياسي، وكأن مجرد تداول الخبر كان كافيًا لإثارة حالة من القلق والارتباك لدى بعض الخصوم.
وهنا يبرز سؤال مشروع: لماذا أثار هذا الخبر، سواء ثبتت صحته أم لم تثبت، كل هذا الاستنفار؟ ولماذا تحول احتمال التحاق شخصية سياسية أو تقنية بحزب معين إلى قضية استدعت تدخل قيادات حزبية، وحملات إلكترونية، وسيلًا من التعليقات والتحليلات؟
قد يكون الجواب مرتبطًا بالمكانة التي يحتلها فوزي لقجع في المشهد العمومي، سواء من خلال إشرافه على ملفات مالية واستراتيجية كبرى، أو حضوره في مشاريع وطنية مهمة، أو دوره في التحضير للاستحقاقات الرياضية التي تنتظر المملكة، وفي مقدمتها تنظيم كأس العالم 2030. لذلك، فإن أي حديث عن تموقعه السياسي يكتسب تلقائيًا بعدًا يتجاوز مجرد تغيير الانتماء الحزبي.
لكن، في المقابل، كشفت ردود الفعل التي أعقبت تداول الخبر عن أزمة أعمق يعيشها جزء من الخطاب السياسي، حيث بدا أن بعض الفاعلين فضلوا خوض معارك افتراضية على منصات التواصل الاجتماعي بدل تقديم قراءة سياسية هادئة أو منافسة حقيقية تقوم على البرامج والأفكار والمشاريع.
فالسياسة، في جوهرها، تقوم على الإقناع والتواصل المباشر مع المواطنين، وعلى القدرة على تقديم بدائل واقعية تستجيب لتطلعات المجتمع، لا على الاكتفاء بخطاب المظلومية، أو إطلاق الاتهامات، أو بناء المواقف على منشورات فيسبوكية غير موثقة.
كما أن التنافس الديمقراطي لا يُقاس بمن يلتحق بهذا الحزب أو ذاك، وإنما بقدرة الأحزاب على تأطير المواطنين، وتجديد نخبها، وإنتاج أفكار ومبادرات تستحق ثقة الناخبين. أما تحويل كل خبر إلى مناسبة للتخوين أو التشكيك أو نسج روايات المؤامرة، فإنه لا يخدم النقاش العمومي، ولا يعزز ثقة المواطنين في العمل السياسي.
وفي جميع الأحوال، يظل أي تقييم لهذا الموضوع رهينًا بالمعطيات الرسمية. فإذا ثبت التحاق فوزي لقجع بحزب الأصالة والمعاصرة، فسيكون ذلك قرارًا سياسيًا مشروعًا يندرج ضمن حرية الانتماء الحزبي التي يكفلها القانون. أما إذا لم يثبت، فإن الجدل الذي أُثير حول خبر غير مؤكد سيكون، في حد ذاته، مؤشرًا على حجم التوتر الذي يطبع المشهد السياسي مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية.
ويبقى الأكيد أن قوة الأحزاب لا تُبنى على مهاجمة الخصوم أو إدارة الحملات الإلكترونية، وإنما على الحضور الميداني، وقوة الفكرة، والقدرة على كسب ثقة المواطنين بالإنجاز والترافع عن قضاياهم. فالمشهد السياسي المغربي اليوم في حاجة إلى تنافس حقيقي حول البرامج والرؤى، أكثر من حاجته إلى صراعات افتراضية تُدار بمنطق الانفعال، لا بمنطق السياسة
شعلة بريسجريدة الكترونية مستقلة









