تصفح جريدة شعلة

24 ساعة

الرئيسية » اراء و اقلام » “أعلنت عليك هذا الحب” يوم: “كان عرشه على الماء”

“أعلنت عليك هذا الحب” يوم: “كان عرشه على الماء”

شعلة بريس:عبد الكريم التابي

خجولا أطل من وراء نافذة الأربعاء
كان عبد الرفيع جواهري الشاعر والصحفي والمحامي ورئيس اتحاد الكتاب السابق والعضو السابق بالمكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي، يطل في أواسط الثمانينات كل أربعاء من نافذة خاصة به بجريدة ” الاتحاد الاشتراكي ” ،أيام كان الحزب معارضا يشغل الناس بأصوات برلمانييه التي تجلجل في قبة البرلمان ، وبالذراع الصاعقة لمركزيته النقابية العتيدة آنذاك الكدش  ، وعلى صفحات جريدته الواسعة الانتشار ، كانت كتابات جواهري ساخرة لاذعة في نقد وزراء الحكومة ، وعلى رأسهم صاحبه ” بوكرفادة ” الذي لم يكن سوى الوزير الأول آنذاك عزالدين العراقي .وكانت إلى حد ما تشبه كتابات رشيد نيني على صفحات ” الصباح ” و”المساء ” و”الأخبار” فيما بعد ،  وكانت هي الأخرى تلقى استهلاكا كبيرا ، إلا أنه لم يكتب لها ولن يكتب لمثيلتها لرشيد نيني الديمومة والخلود ، ولن يكون في مقدورها أن تبقى وشما في قلوب القراء، لكونها لم تكن تقول للناس سوى المستساغ، عن أحوال وتصريف تفاصيل يومية مملة وتافهة،  لشخصيات لم يكن لها من صفة الوزير إلا الإسم ..وأذكر أن أولى الخطوات التي قادتني إلى جحيم الصحافة اللذيذ ، كانت رسالة بكرا عذراء بعثتها إلى الأستاذ عبد الرفيع جواهري في صيف أواسط الثمانينات تحت عنوان ” خجولا أطل من وراء نافذة الأربعاء ” ونشرت بالصفحة الأخيرة بجريدة الاتحاد الاشتراكي ، الصحيفة الأكثر انتشارا في ذلك الوقت، عبرت من خلالها للأستاذ  جواهري عن عتاب دافئ، حينما فضل نزولا عند رغبة الرقيب طوعا أو قسرا، أن ينصرف في ذاك الصيف الحار حرارتين :حرارة الله وحرارة المخزن ، إلى الإسهاب لدرجة الضجر، في الحديث عن خصمه ” بوكرفادة ” الذي لم يكن سوى الوزير الأول عز الدين العراقي ،في الوقت الذي كان المخزن بكل طواقمه : عماله وباشواته وقواده وشيوخه ومقدميه يغير في حرب ضروس على الشعب المغربي ليدفع ” الجزية ” مكرها لبناء المسجد الذي يعرف اليوم بمسجد الحسن الثاني . وبالقدر الذي أحسست فيه بما يشبه الاعتداد بالنفس بإقدام الجريدة إياها، على قبول نشر مادة في موقع متميز وبخط بارز لشخص مغمور، ولا علاقة تنظيمية تربطه لا بالجريدة ولا بالحزب ، بالقدر نفسه أيقنت ساعتها أن الجواهري واحد من عاصري الليمون داخل الاتحاد الذين لا يدخرون جهدا في زحزحة الاتحاد عن المسار الذي ارتآه الاتحاديون الاصلاء ، والذين أفلحوا (عاصرو الليمون) ـ مع شديد الأسف ـ في رسم مسار آخر له لم يبق الاتحاد اتحادا ولا للقوات الشعبية،بعد أن مرمطه اليوم ادريس لشكر، بكتابة تلك الرسالة السلطانية بلغة القرون الوسطى. . 
-” وكان عرشه على الماء 
وجدها  رجالات المخزن وأعوانهم حجة مسنودة باسم الله وباسم الملك، ليشنوا غاراتهم الكاسحة على الناس . لم يستثنوا فقيرا ولا معدما  .كانوا يجوبون أسواق المغرب وقراه ومدنه  بالطول والعرض، ويتنافسون حول من يجمع أكثر..ويجتهدون في إذلال ” الرعايا ” وابتزازهم بلزومية الدفع أو رشمهم في خانة أعداء الله والملك !!!لم أكن وقتها منخرطا بمعنى من المعاني في حزب ما ، ولكن كنت لا زلت مشدودا  ليوطوبيا اليسار الماركسي  السبعيني ، كما كانت  تستهويني أشعار ” غارسيا لوركا ” “وناظم حكمت “و” بابلو نير
ودا” و” اللعبي ” وأزجال عبدالله الودان ورضوان أفندي ومحمد الصبار قبل أن ينضم لحزب عاصري الليمون على الطريقة المصرية، و”عبدالله  زريقة ” الذي كان يكتب كدب جريح:

وأنا عجبت كيف يصرف مال الفقراء

في شراء جلد السياط وبناء بركة المتوكل  

وأنا لا أستحيي ولا أتصبب عرقا

حين أرى قريش تدفع الجزية مرغمة

وتبيت طاوية البطن من الجوع

عجبت لمن دوخه الجوع فلا يخرج على الناس شاهرا سيفه


فلم أدر كيف صرت أشعر بنوع من الريبة وعدم الاطمئنان للأستاذ جواهري الذي  استهوتنا كلماته في ” ميعاد ” ورفعنا إلى السموات السبع ب ” رموش ” ساحرة في ليلة ” القمر الأحمر ” التي كانت فيها سعيدة بنت مراكش ” راحلة ” في الأعالي إلى ” قصة الأشواق “.
 
3 -أعلنت عليك هذا  الحب …: 
لم يكن الإعلان عن هذا الحب سوى عنوان لقصيدة جميلة صاخبة ناعمة للشاعر الراحل عبد الله راجع.شاءت الصدف أن يكون فاتحة لأول مقالة نشرت لي على جريدة ” أنوال ” لسان منظمة العمل الديمقراطي الشعبي ، والتي ولدت في المنفى بفرنسا سنة 79 في كنف ” منظمة 23 مارس ” وسماها المناضل محمد بنسعيد وتحمل إدارة النشر بها المرحوم الحسين كوار ورأس تحريرها طالع سعود الأطلسي وسهر على تربيتها رفاق تقاسموا شظف العيش في المنافي والسجون وفرقتهم مقالب المخزن وألاعيبه.

لم أكن شاردا على قارعة الطريق لأرتبط بأنوال مراسلا صحفيا لها من ابن جرير، ولم يكن قرار اعتمادي أمرا شخصيا متعلقا بي ، بل أن الاختيار كان سياسيا ومن إنتاج الفرع المحلي لمنظمة العمل الديمقراطي التي كنت أحد أعضاء مكتبه التأسيسي سنة 1992
السنة التي تزامنت مع سياقات وتحولات سياسية محلية لعل أبرزها مقدم السيد فؤاد عالي الهمة وارتقاء جماعة ابن جرير  إلى جماعة حضرية سيرأس مجلسها السيد فؤاد . وبالطبع سيكون لهذا الوضع الجديد أثره البالغ في خلخلة المشهد السياسي والإعلامي بالمدينة . ولن تكون منظمة العمل ـ الحزب الوليد ـ بمنأى عن هذه المتغيرات ،
بل ستكون في فوهة المدفع ، وستصيب شظايا الوافد الجديد الأساسات الرخوة لبيت المنظمة ، التي شقت إلى نصفين : نصف يريد أن يسير سير الضعفاء وأن يتشبت بالأهداب  ،ونصف حين قرر أن يدخل السياسة، دخلها من اليسار.وانأ اخترت أن  ادخلها من اليسار ،حيث ناداني صوت قادم من أغوار معاناة” الزيني بركات” في رواية لجمال الغيطاني ، ومن آلام ومعاناة صلاح عيسى ومالك حداد : قل كلمتك ومت . فأنت إن قلتها فستموت ، وإن لم تقلها فستموت .إذن: قلها ومت.”

وبما أن تقديري السياسي وقتها ـ واليوم أيضا ـ انحاز لموقف متصلب ورافض للسيد عالي الهمة ،لا لشخصه ولا لعدم أهليته ، ولكن اعتبارا لعدم اقتناعي بأسباب النزول المعلنة والخفية ، ومن جهة أخرى لاقتناعي بضرورة أن يكون الصراع السياسي طبيعيا بين فرقاء قد يتفاوتون في الإمكانات ،  ولكن يتوفرون على نفس المسافة من الدولة وممثليها ، لا أن يكون لأحدهم عين ويطلب منها أن تقاوم المخرز .

ترجمت هذا التقدير السياسي إلى خط تحريري إعلامي لازمني كالظل طيلة وجود السيد الهمة ، على الرغم من أنني أحترمه ويبادلني نفس الاحترام ، وعلى الرغم من أنني أفردت له صفحة كاملة في حوار مطول كان الأول من نوعه على المستوى الوطني وقبل أن يكون للصحافة( المستقلة ) أي وجود، وعلى الرغم من إشادتي بكثير من وسائل وآليات التدبير الحديثة التي استدمجها ضمن مشروعه أثناء رئاسته لمجلس بلدية ابن جرير .

انغمست في عشق أنوال حتى وهي تجرني إلى ردهات المحاكم بعد توتر العلاقة بيني وبين مجلس بلدية ابن جرير ، ولم يؤثر هذا الحادث في صفاء العلاقة مع السيد الهمة لأنه يعلم أن لي الحق في أن أكتب ما أعتبره صوابا ، ولأنني أعلم أن له الحق في أن  يبحث عما يعتبره حقا في المحاكم ، وهي أرقى مكان للفصل في  النزاعات ،في ظل القضاء النزيه المستقل طبعا.

استمررت في ما أعتقده صوابا من جهتي ، ولم تؤثر شكايات المجلس سالفة الذكر على هذا الاعتقاد ، واستمر السيد فؤاد يعاملني وكأن شيئا لم يقع إلى أن تم توقيف الجريدة يوم الاستفتاء على دستور1996 اعتبارا للموقف الرافض الذي عبرت عنه المنظمة ،وبالتحديد المشخص جدا التيار الذي يتزعمه الرفيق بنسعيد وإبراهيم ياسين ونبيلة منيب ، وأنا طبعا كنت ضمن هذا التيار ومقتنعا باختياراته الكبرى.

كان لهذا التدخل للدولة في الحياة الخاصة لمنظمة العمل ،بمحاولة إجبار الملك, الأمين العام بنسعيد على إعادة جمع أعضاء اللجنة المركزية والتصويت بنعم من أجل حصول ما تسميه الدولة بالإجماع ، أثر سيء ،زاد من كراهيتي للأساليب الاستبدادية  القروسطية . وكان لتوقيف الجريدة ومحاصرة مقراتها وتشميعها  جرح لم يندمل ، ولم يشفه حتى إصداري لجريدة باسم أنوال تانسيفت صيف 2007.

شقت الدولة المنظمة وساعدت المنشقين على تأسيس حزب جديد ، وأوقفت الجريدة ، فأصدر الباقون في المنظمة جرائد أخرى : الأنوار ثم المنظمة ثم العمل الديمقراطي ثم اليسار الموحد، إلا أنها كانت لا تشبع نهمي في الكتابة ، لأنها كانت أسبوعية الصدور ولا يسمح المجال بالإبداع فيها ، لانعدام الإمكانيات البشرية والمادية والحصار الذي فرضته الدولة جراء الموقف من الدستور ، وتوقفت لمدة طويلة إثر  جرجرتي في المحاكم لعشر سنين متوالية ، أصبت فيها بإحباط شديد لم تخرجني منه سوى كلمات دافئة للشاعر لويس أراغون :

في أوج الظلمة أسمع الديك يغني

أحمل النصر في قلب كارثتي

أحمل الشمس في ظلامي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.