“سوقان في يوم واحد: في الجامعة مناظرة للنخبة.. وفي ثلاث ابن جرير اقتصاد شعبي حقيقي!”
شعلة
في مفارقة لافتة لا تخلو من رمزية عميقة، شهدت مدينة ابن جرير، يوم الثلاثاء 17 يونيو 2025، حدثين متزامنين لكن متباعدين جوهريًا: من جهة، انعقدت المناظرة الوطنية الخامسة للاقتصاد الاجتماعي والتضامني داخل أسوار جامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية، بحضور وزراء، خبراء، ومنظّرين من النخبة السياسية والاقتصادية المغربية والدولية. ومن جهة أخرى، كان السوق الأسبوعي “ثلاث ابن جرير” يحتضن واقعه المعتاد: أبناء الشعب، فلاحون وكسابة وتجار صغار، موظفون ،عاطلون عن العمل يتفاوضون، يتبادلون، ويصنعون يومهم وسط تحديات المعيشة.
المناظرة نُظّمت في قاعات فخمة مكيّفة، خلف أسلاك شائكة تحرس “المدينة الخضراء”، وكأنها كيان منعزل عن محيطها، تُناقش فيها سياسات كبرى بلغة خشبية فوقية، لا مكان فيها لأبناء الرحامنة، وكأنهم غرباء في مدينتهم، غير معنيين بالنقاش، ولا مؤهلين حتى لسماع ما يُقال باسمهم.
في المقابل، كان سوق “ثلاث ابن جرير” هو المناظرة الحقيقية: لقاء شعبي مفتوح، لا دعوات رسمية ولا أوراق اعتماد، بل نقاش مباشر، وحساب دقيق، وتحديد تلقائي للأسعار بين من يُنتج ومن يستهلك. هناك تُمارَس أبجديات الاقتصاد التضامني الحقيقي: البيع، الشراء، التضامن، التفاوض، الغش أحيانًا، والتعايش مع الأزمات دائمًا. سوق لا يبيع الأوهام، ولا يوزع الوعود، بل يجسّد واقع الطبقة المنسية.
والأدهى من ذلك، رئيس الحكومة الذي ظهر محاطا بجيش عرمرم ،حيث اشرف على اعطاء انطلاقة المناظرة داخل الجامعة هو نفسه أحد مهندسي فشل “المغرب الأخضر”، المخطط الذي وُعد المغاربة من خلاله بالاكتفاء الذاتي، فانتهى بهم الأمر يستوردون خضرهم وفواكههم ولحومهم، وهم الذين كانوا إلى وقت قريب يطعمون الأسواق الداخلية.
ألا يحق لنا التساؤل: أي السوقين أصدق تعبيرًا عن الاقتصاد الاجتماعي و التضامني؟ هل هو ذاك المحروس بالحواجز والمداخل المراقبة؟ أم ذاك المفتوح على هموم الناس، بتلقائيته، وعفويته، وصراحته، بكل ما فيها من قسوة وكرامة؟
في ابن جرير، يوم الثلاثاء، كان هناك سوقان:
واحدٌ للنخبة، تُصاغ فيه السياسات وتُعاد فيها نفس الوجوه،
وآخرٌ للشعب، يُبنى فيه الاقتصاد اليومي بتعبٍ وصمتٍ، بلا خطب ولا منصات.
الاقتصاد التضامني، إن أراد أن يكون صادقًا، فليبدأ من سوق الثلاثاء، لا من قاعات النخبة. ليخلص الحديث بعبارة” كل واحد اسوقو ، او بعبارة اوضح لكم سوقكم و لنا سوقنا”
شعلة بريسجريدة الكترونية مستقلة









