تصفح جريدة شعلة

24 ساعة

الرئيسية » اراء و اقلام » ” الدستور المغربي يضمن التعبير….و لا يبيح الإهانة “

” الدستور المغربي يضمن التعبير….و لا يبيح الإهانة “

شعلة

في ظل اتساع هامش حرية التعبير بالمغرب، برزت إلى السطح ظاهرة مقلقة تستدعي الوقوف عندها بوعي ومسؤولية، وهي تلك الممارسات التي تنزاح من خانة النقد البناء إلى مستنقع السب والشتم في حق المواطن و في مقدمتهم رموز الدولة، من وزراء ومسؤولين سامين، وعمال صاحب الجلالة، وسلك القضاء، وشخصيات عامة لها وزنها في الهرم الإداري والمؤسساتي الوطني.

صحيح أن حرية التعبير مكفولة بموجب دستور المملكة المغربية لسنة 2011، ولا يمكن المساس بها إلا في نطاق ما يحدده القانون، ولكن ما يجب أن نُجمع عليه، هو أن هذه الحرية لا تعني الفوضى، ولا تبرر بأي شكل من الأشكال انتهاك كرامة الأشخاص أو اقتحام حياتهم الخاصة.

الفرق شاسع بين من يوجه نقدًا موضوعيًا مبنيًا على معطيات ووقائع، بهدف تحسين الأداء العام، وبين من يستغل المنصات الرقمية أو منابر الإعلام للسب والقذف والتشهير دون سند قانوني أو أخلاقي. انتقاد تدبير إداري أو قرار حكومي هو جزء من دينامية الديمقراطية، لكن تحويل النقاش إلى حملة سباب وعداء شخصي هو سلوك مدان ومرفوض حضارياً وقانونياً.

القانون المغربي واضح في هذا الباب. فالفصل 447 من القانون الجنائي، كما تم تعديله بالقانون 103.13 المتعلق بمحاربة العنف، يجرّم كل مساس بالحياة الخاصة للأفراد، سواء عبر الصور أو التسجيلات أو التصريحات. كما أن الفصل 263 وما يليه يعاقب على إهانة الموظفين العموميين أثناء تأدية مهامهم أو بسببها، بما في ذلك القضاة ورجال السلطة والوزراء.

إهانة شخص لأنه يمثل الدولة ليست “بطولة رقمية”، بل جريمة يعاقب عليها القانون، مهما كانت الذرائع أو الخلفيات. للمسؤول العمومي مكانة اعتبارية لا يمكن العبث بها، ليس لأنه فوق القانون، بل لأنه واجهة الدولة، والإساءة إليه تضعف صورة المؤسسة التي يمثلها. فإذا كان الموظف السامي أو القاضي أو العامل محط انتقادات مهنية، فإن للقانون آلياته ولمؤسسات الرقابة قنواتها، أما أن يتحول الهجوم إلى طعن في العرض أو المس بالحياة الأسرية، فذلك انزلاق خطير يقوض أسس الحوار الحضاري ويحول الحرية إلى فوضى.

إن الحفاظ على كرامة رموز الدولة لا يتناقض مع مبدأ المساءلة، بل يكرّس التوازن المطلوب بين المحاسبة والاحترام. فالتطور الديمقراطي لا يُقاس بعدد الشتائم في الفضاء الرقمي، بل بمدى قدرة المجتمع على ممارسة نقده بشكل راقٍ، مسؤول، وفعّال، دون أن يتورط في اغتيال معنوي مرفوض قانونًا وأخلاقًا.

فلنمارس حقنا في التعبير، لكن لنضع نصب أعيننا أن الكلمة قد تبني وقد تهدم، وقد ترفع صاحبها وقد تجره إلى المساءلة… فحرية الرأي لا تعني حرية السب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.