“الجرار من قلب الرحامنة إلى مغرب 2030… فاطمة الزهراء المنصوري ونموذج القيادة المتجذرة في الأرض”
شعلة
في مغرب يتحوّل بسرعة نحو مواعيد استراتيجية مصيرية، يأتي حزب الأصالة والمعاصرة ليتجاوز فكرة الحزب السياسي الكلاسيكي، ليصبح مع مرور الوقت أشبه بمنصة مؤسساتية لإنتاج النخب، وتأطير القرار، وتوجيه الرهانات التنموية الكبرى. ويزداد هذا الدور وضوحًا مع بروز قيادة نسائية فريدة في شخص فاطمة الزهراء المنصوري، عمدة مراكش ووزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، وهي ابنة مدينة سبعة رجال، والمنحدرة من أصول عائلية ضاربة في عمق قبائل الرحامنة، نفس الأرض التي خرج منها حزب الأصالة والمعاصرة ذات يوم، عندما انطلق في البداية عبر لائحة “الكرامة والمواطنة” التي قادها فؤاد عالي الهمة سنة 2007 بمسقط رأسه في الرحامنة، قبل أن تتبلور الفكرة وتتحول سنة 2008 إلى كيان سياسي متكامل تحت اسم “حزب الأصالة والمعاصرة”.
المنصوري، القيادية الهادئة والحاسمة في آن، لا تمثل فقط النموذج النسائي الجديد داخل الفعل السياسي، بل تجسد أيضًا رمزًا للتصالح العميق بين النخب الحضرية والنواة المجالية التي أنتجتها. فهي تمثل امتدادًا طبيعيًا لحزب رأى النور في أرض آبائها و اجدادها ، وتكرّس من خلال حضورها في القيادة الثلاثية للحزب، ذلك الربط العضوي بين الأصل السياسي والمنبع الترابي. لا عجب إذن أن تنشأ علاقة غير معلنة ولكن راسخة بين “القيادة الرحمانية” و”الجرار الرحماني”، علاقة أساسها الأرض والمصير، أكثر من الخطاب والشعارات.
في هذا السياق، تكتسي هذه المرحلة من تاريخ المغرب السياسي طابعًا غير مسبوق، إذ تقود حكومة عزيز أخنوش، التي يشارك فيها حزب الأصالة والمعاصرة بوزارات استراتيجية، واحدة من أهم المحطات الوطنية: التحضير لاحتضان مونديال 2030، وهي محطة تتجاوز بكثير البعد الرياضي لتلامس عمق التحولات التنموية والاقتصادية التي سيدخلها المغرب. ومن اللافت أن تُوصف هذه الحكومة بشكل متزايد بأنها حكومة “الانتقال الصناعي”، أو “الانتقال من مصاف الدول النامية إلى نادي الدول الصاعدة والمنتجة”، وهي قفزة لا يمكن أن تُنجز دون رؤية سياسية متماسكة، ومهندسين سياسيين يمتلكون الكفاءة والشرعية الترابية والمصداقية المجتمعية.
هنا تبرز المنصوري كواحدة من العقول التنظيمية الهادئة داخل هذا البناء، امرأة من الجيل الثاني لحزب الأصالة والمعاصرة، لا تحمل عبء التأسيس لكنها تمثل نضج المشروع، ولا ترفع شعارات المواجهة لكنها تعرف كيف تُفاوض من موقع الصلابة. وإذا كان الحزب قد انطلق في بداياته بشحنة من الرمزية والصدام، فإنه اليوم، من خلال هذه النخب، يسعى إلى تثبيت نفسه داخل حقل الدولة لا على هامشها.
ليس من باب المصادفة أن تُسند للمنصوري حقيبة وزارية تمس عمق التحول المجالي والسكني والعمراني بالمغرب، لأن الحكومة تراهن عليها ليس فقط كقيادية حزبية، ولكن كخبيرة ميدانية قادرة على تنزيل التوازن المجالي والعمراني في إطار استحقاقات وطنية دقيقة، أبرزها خلق مدن مستدامة ومنظومات ترابية متكاملة تستجيب لحاجيات “مغرب ما بعد المونديال”.
وإذا كانت بعض الأحزاب ما تزال غارقة في نقاشات داخلية عبثية أو تعيد إنتاج نفس الوجوه والخطاب، فإن حزب الأصالة والمعاصرة يقدم من خلال شخصيات كفاطمة الزهراء المنصوري نموذجًا لحزب يحترم ذاكرته الترابية، ويجدد نُخَبه من داخلها، وينتج توازنًا لافتًا بين الجذور والآفاق. فالحزب لم ينس من أين أتى، لكنه يدرك جيدًا إلى أين يريد أن يصل.
في هذا المشهد المركّب، يصبح من المشروع أن نسأل: هل نحن أمام بداية تشكل نخبة جديدة تقود المرحلة برؤية وطنية مفتوحة على المستقبل؟ وهل يكون جرّار الأصالة والمعاصرة هو العربة التنظيمية التي ستُوصل المغرب فعلاً إلى محطة 2030 وهو أكثر تماسكًا وقوة وجاذبية؟
قد لا تكون الإجابات حاسمة اليوم، لكن المؤشرات في الميدان تقول إن للذاكرة الجغرافية دورًا في بناء القيادة، وإن العلاقة بين فاطمة الزهراء المنصوري وحزبها ليست مجرد انتماء سياسي، بل امتداد طبيعي لرحلة بدأت في قلب الرحامنة، وتوشك أن تبلغ مداها في مغرب يتغير.
شعلة بريسجريدة الكترونية مستقلة








