تدبير الزمن التربوي بين العجز والانشداد إلى الخلف بنيابة الرحامنة.
12 فبراير، 2015
شعلة بريس
(كل شيء للعرب عن بديهة وارتجال، وكل شيء للروم عن روية وإعمال عقل)
الجاحظ.
لم تجد السلطات التربوية بنيابة الرحامنة من سبيل لإنتاج “استعمالات للزمن التربوي”، أو بلغة أكثر “عصرنة” (تدبير إيقاع الزمن المدرسي)، سوى وصفة قديمة ،جاهزة ، استلتها بعد “مشقة وعناء”من رفوف الطابق التحت ـ أرضي، وقد تآكلت من فرط الرطوبة والقراديات وأم أربع وأربعين، واختفت ملامحها، ما دامت تنتمي للعصر “الطباشيري” زمن ثمانينيات القرن الماضي.
وإذا كان من ملاحظات تستدعي الملاحظة والانتباه، والنقاش المفتوح، فلا بأس من أن نثير على سبيل الاستئناس ما يلي:
ـ أولا: جرى كلام تداولته ألسن المهتمين من رجال التعليم ونسائه، أن أحد متزعمي هذه”الثورة التربوية الانقلابية” ،هو أحد أفراد هيئة المراقبة التربوية، الذي رفض إجراء “تفتيشات” لأطر التدريس التي تقع تحت إشرافه بمبرر أن استعمالات الزمن الحالية التي تم اعتمادها بعد إقرار(بيداغوجيا الإدماج) من طرف الوزير الماركسي السابق أحمد اخشيشن، وشيعها إلى مثواها الأخير وزير “النوادر” و”السوابق” محمد الوفا، والتي يعتقدها “المفتش” لا توفي المتعلمين حقهم في الثلاثين ساعة كاملة غير منقوصة.
ـ ثانيا: أن يتم تدارك أو استدراك تلك “الزلة” التربوية الجسيمة عند انتهاء الأسدس الأول وبداية الثاني،لا يعبر سوى عن ترجمة حرفية مصغرة لواقع البؤس والارتجال الذي يتمدد في العظام المنخورة لمنظومة التربية والتعليم على امتداد كل ربوع البلد، والتي ذيلته نتائجها المخيبة ترتيب القائمة على الصعيد الدولي ، وبعيدا أوفي نفس الرتبة مع بلدان غير مستقرة لا أمنيا ولا سياسيا.
فأي تفسير لتغيير استعمالات الزمن في منتصف السنة الدراسية، إن لم تكن المزاجية وردود الأفعال المتشنجة والمنفلتة من عقالها والتي لا تقيم اعتبارا لمصالح الأطفال ولا للانعكاسات السلبية على السير الطبيعي للمسار التعليمي التعلمي.
ـ ثالثا: ألا يعتبر الاستنجاد باستعمالات الزمن القديمة، تعبيرا فاضحا عن حالة التصحر والعجز والفشل في مجرد “صناعة” وثيقة تربوية ، هي أقل ما يمكن لفاعل تربوي ـ كيفما كانت مراجعه وهويته، و يطرح نفسه”قيما” و”وصيا” و”ناصحا” و”هاديا” أن يجتهد في الوقت المناسب في إعداد نماذج تقريبية بمفرده أو بمعية من يلمس فيه القدرة على ذلك. وكيف ستكون الحال إذا تعلق الأمر باقتراح تصور جديد، وبرامج جديدة ومنهجيات جديدة لمنظومة تربوية جديدة ؟؟؟
ـ رابعا: إن الأمر ليدعو للاستغراب حين يتم الاستناد على مبرر الثلاثين ساعة لاعتماد تدبير زمني طواه النسيان، وتعتريه هو نفسه كثير من العيوب” البيداغوجية ، وكانت ولازالت تفاصيله مثار انتقادات حادة لبعض أطر المراقبة التربوية والتي نوجز بعضها على سبيل المثال لا الحصر:
1ـ بعملية حسابية واضحة ، فإن وثيقة استعمال الزمن القديمة/الجديدة، لن تستوفي الثلاثين ساعة (عمليا وواقعيا مهما حاول البعض ليها وتمطيطها، اعتبارا للوضعية الاستثنائية لمادة التربية البدنية واعتبارا للتدبير الاستثنائي ليوم الجمعة) ما يعني ويدحض المعيار” الكمي” الذي يبني عليه البعض دفاعاته، بدل أن يبحث في معوقات” الكيف” والتي هي واحدة من أسباب الإعاقة الحقيقية التي تعاني منها مدرستنا المغربية.
2 ـالإصرار على اعتماد استعمالات الزمن القديمة، وبتلك الطريقة الأحادية التي تلغي الفاعل المباشر في العملية التعليمية دون اكثرات بوجوده، يعد سلوكا لا ديموقراطيا في التدبير، ويكرس قيم الوصاية والحجر، واعتقاد البعض بامتلاك الحقيقة والمعرفة دون الآخرين.
3 ـ اعتماد استعمالات الزمن القديمة سينتج لا محالة ارتباكا في الكيان الأسري ويقوض تدبيره الزمني دون سابق إعلام، في تجاهل تام لما يسمى على سبيل الترف اللغوي ب”المقاربة التشاركية” ، وفي تجاهل تام لما كانت تتسبب فيه حاجة جسم الأطفال والأساتذة للاسترخاء والقيلولة ما بين تناول وجبة الغذاء والالتحاق الفوري عند الواحدة بعد الزوال، من تراجع في مستوى الحركية والنشاط والتركيز الذهني ، خاصة عندما تسخن الأجواء.
4 ـ اعتماد المسترسل ليومين في الأسبوع (الأربعاء والسبت)، يعد بلا شك إفراطا في إرهاق للطاقة الفيزيقية والبسيشيكية للأطفال وخاصة في المستويات الدنيا. وكثيرا ما “ندد” و”استشاط غضبا” بعض رجال المراقبة التربوية حين يقفون على حالات بعض الأساتذة الذين قد يلجؤون في بعض الحالات الاستثنائية الطارئة إلى العمل بالمسترسل، فكان أولئك يعتبرونه تجاوزا تربويا غير مبرر وتعديا على القدرات المحدودة للأطفال. فسبحان مبدل الأحوال.
نعتقد في الختام أن “الجهاد” أو محاولة الجهاد من أجل المساهمة في الإصلاح، لا تبتدئ من مسألة التدبير الزمني التي تبدو ليست في الوقت الراهن أولوية الأولويات. واجتزاؤها وجعلها ك”قضية” في السياق الذي أشير إليه في استهلال هذا الرأي المتواضع، وفي غيره مما نترفع عن الخوض فيه احتراما للقراء، ليس سوى هروب إلى الأمام لرفع الكلفة، وهروب إلى الوراء عجزا عن بديل لتدبير زمني عصري، وليس الاستنجاد بمومياء محنطة يقال لها : استعمال الزمن من زمن الثمانينيات.
عبد الكريم التابي
تدبير الزمن التربوي بين العجز والانشداد إلى الخلف بنيابة الرحامنة. 2015-02-12