“لكلام جا من الفوق”.. العبارة التي دمرت ما تبقى من ثقة داخل البام بالرحامنة
شعلة
في كل مرة تتردد فيها عبارة “لكلام جا من الفوق” داخل كواليس حزب الأصالة والمعاصرة بإقليم الرحامنة، خصوصا عند الحديث عن التزكيات البرلمانية أو اختيار بعض رؤساء الجماعات، وعلى رأسها جماعة ابن جرير، يعود السؤال نفسه بإلحاح: من هو هذا “الفوق” الذي يتحكم في تفاصيل المشهد الحزبي بالإقليم؟ ولماذا يظل أبناء الرحامنة مجرد متلقين للقرارات بدل أن يكونوا شركاء حقيقيين في صناعتها؟
اللافت اليوم أن عددا من المناضلين والفاعلين المحليين لم يعودوا يناقشون فقط طبيعة القرارات المتخذة، بل أصبحوا يتساءلون أيضا: من يتكلم فعلا باسم “الفوق”؟ ومن منحه الحق لاحتكار الحديث باسم جهات عليا وتقديم نفسه كناطق غير معلن باسمها؟ ولماذا لا تخاطب هذه “الجهات” أبناء الرحامنة بشكل مباشر إذا كانت فعلا وراء هذه الاختيارات، بدل الاعتماد على وسطاء لا تربطهم بالمنطقة لا علاقة نضالية ولا تاريخ سياسي؟
كثيرون داخل الحزب بالإقليم يعتبرون أن ما يقع اليوم تجاوز مجرد تدبير تنظيمي عادي، وأصبح أقرب إلى استعمال اسم “الفوق” كوسيلة لإسكات الأصوات المعارضة وفرض اختيارات جاهزة، بل أحيانا لتصفية أبناء الإقليم الذين ساهموا منذ البداية في تأسيس مشروع الأصالة والمعاصرة من قلب الرحامنة. فكل من يعترض أو يطالب بتفسير يجد نفسه أمام الجواب نفسه: “التعليمات جاية من الفوق”، وكأن هذه العبارة أصبحت فوق النقاش والمحاسبة.
وحين يتم الحديث عن “الجهات العليا”، تتجه الأنظار تلقائيا نحو اسم فؤاد عالي الهمة، الرجل الذي ارتبط اسمه سياسيا وتنمويا بإقليم الرحامنة، والذي كان من أبرز مهندسي مشروع الأصالة والمعاصرة في بداياته الأولى، قبل أن يغادر الحزب باستقالته الشهيرة التي تحدث فيها بوضوح عن انحراف الحزب عن المسار الذي تأسس من أجله. غير أن الهمة اليوم يشغل مهمة مستشار ملكي بعيدا عن التدبير الحزبي المباشر، ما يجعل إلصاق كل ما يقع باسمه مجرد تأويلات وتسريبات تروج داخل الكواليس أكثر مما تستند إلى معطيات واضحة.
ولا أحد يمكنه أن ينكر ما قدمه فؤاد عالي الهمة للرحامنة، سواء عبر المشاريع الكبرى التي جعلت مدينة ابن جرير تتحول إلى قطب علمي وتنموي بفضل المدينة الخضراء ومؤسسات البحث والتكوين، أو من خلال مؤسسة الرحامنة للتنمية المستدامة التي لعبت دورا بارزا في دعم التنمية المحلية بعيدا عن الحسابات الحزبية الضيقة. لذلك يتساءل عدد من أبناء الإقليم اليوم: هل يمكن فعلا أن يقبل الهمة بأن يُستعمل اسمه لتبرير إقصاء كفاءات محلية ومناضلين تاريخيين؟ وهل تصله الصورة الحقيقية لما يجري داخل الحزب بالرحامنة، أم أن هناك من يقدم له معطيات مغلوطة تُتخذ ذريعة لإبعاد كل الأصوات التي ساهمت في بناء مشروع “الجرار” منذ انطلاقته الأولى؟
الاحتقان الذي يعيشه جزء واسع من مناضلي الأصالة والمعاصرة بالرحامنة لا يرتبط فقط بالأسماء التي تُمنح لها التزكيات أو المناصب، بل بالشعور المتزايد بأن القرار الحزبي لم يعد يُصنع داخل الإقليم، وأن أبناء المنطقة أصبحوا غرباء داخل حزب كانوا يعتبرونه امتدادا لمشروع سياسي خرج من قلب الرحامنة نفسها. فكيف يعقل، يتساءل الغاضبون، أن يتم تجاوز مناضلين راكموا سنوات من العمل الميداني لفائدة أسماء يتم إسقاطها بشكل مفاجئ فقط لأنها تحظى بدعم بمن يتحدثون باسم “الفوق”؟
الأخطر من ذلك، حسب عدد من المنتقدين، أن الحزب الذي تأسس على فكرة القطع مع منطق التحكم والولاءات الضيقة، أصبح يعيش اليوم على وقع نفس الأساليب التي كان ينتقدها في السابق. لذلك لم يعد مستغربا أن ترتفع أصوات داخل الرحامنة تتحدث عن التهميش والإقصاء، بل وعن إمكانية مغادرة عدد من الوجوه الحزبية للسفينة بشكل نهائي بعدما فقدت الثقة في إمكانية الإصلاح من الداخل.
وفي ظل هذا الوضع، يبقى الرهان الحقيقي أمام حزب الأصالة والمعاصرة بالرحامنة هو إعادة الثقة لمناضليه وفتح نقاش صريح حول من يملك القرار الحقيقي داخل الحزب، لأن استمرار الغموض وترك بعض الأشخاص يتحدثون باسم “الفوق” دون أي وضوح أو محاسبة، لن يؤدي إلا إلى تعميق أزمة الثقة وتوسيع دائرة الغضب داخل معقل كان إلى وقت قريب يُعتبر من أقوى قلاع “الجرار” بالمغرب.
شعلة بريسجريدة الكترونية مستقلة









